العناوين الرئيسية:
>>
في
رابطة الكتاب الاردنيين
..قراءات لقصائد محمود درويش تستعيد روحه من حضرة الغياب
>>
سيظل حيا في تناغم الطيور
..برايتن برايتنباخ
>>
حنا مينا: أقبروني في أي قبر متاح.. رجاء لا أريد عزاء
>>
الأدباء ورثاء الذات
..نهلة الجمزاوي

في رابطة الكتاب الاردنيين
قراءات لقصائد محمود درويش
تستعيد روحه من حضرة الغياب
نظمت رابطة الكتاب الاردنيين امسية استذكارية للراحل الكبير
محمود درويش تضمنت قراءات من اشعاره قدمها كل من الشعراء :
طاهر رياض ، يوسف عبد العزيز وزهير ابو شايب بمرافقة الموسيقى
وعزف العود للعازف نصري خالد وبحضور حشد كبير من المثقفين
والكتاب الاردنيين
وتأتي الامسية مع مرور اسبوع على رحيل درويش المفاجىء في
الولايات المتحدة والذي ترك صدمة كبيرة في الاوساط الثقافية
لاسيما عند اصدقائه الكثر من الشعراء والكتاب في الاردن فقد
قال الشاعر زهير ابو شايب في بداية الامسية”نأتي اليوم لنستذكر
صديقنا وشاعرنا الكبير محمود درويش الذي لم يمت ولايمكن لنا ان
نصدق كذبة موته”وأكد ابو شايب ان اشعار درويش ستبقى خالدة في
وجدان محبيه من جمهوره واصدقائه وأضاف”اشعاره غير صالحة للموت
والدليل هو ذلك الحضور البهي والاحتفاء الكبير والاقبال على
سماع قصائد الراحل الكبير”.القراءة الاولى كانت للشاعر طاهر
رياض حيث قدم عددا من قصائد”الجدارية” وفيها يتحدث درويش عن
مواجهته للموت عام 1998 عندما اجرى عملية خطرة للقلب في باريس
وقد صدرت الطبعة الاولى منها عام 2000
اما الشاعر يوسف عبد العزيز فقرأ من ديوان درويش”لماذا تركت
الحصان وحيدا”الصادر عام 1995 وفيه يستعيد الشاعر طفولته وصورة
والده ومن الديوان “
ـ لماذا تركت الحصان وحيداً؟ لكي يؤنس البيت ، يا ولدي ـ
فالبيوت تموت إذا غاب سكانها ـ تفتح الأبدية أبوابها من بعيد ـ
لسيارة الليل. تعوي ذئاب ـ البراري على قمر خائف. ويقول أب
لابنه: كن قوياً كجدّك، ـ واصعد معي تلة السنديان الأخيرة ـ يا
ابني ، تذكّر: هنا وقع الانكشاريّ ـ عن بغلة الحرب ، فاصمد معي
ـ لنعود”وفي مقطع شعري آخر يقول درويش “إلى أين تأخذني يا أبي؟
ـ إلى جهة الريح يا ولدي ـ وهما يخرجان من السهل ، حيث أقام
جنود بونابرت تلاً لرصدالظلال على سور عكا القديم ـ ـ يقول أب
لابنه: لا تخف ـ لاتخف من أزيز الرصاص، التصق بالتراب لتنجو،
سننجو ونعلو على جبل في الشمال ، ونرجع حين
يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد ـ ومن يسكن البيت من بعدنا ـ
يا أبي؟ ـ سيبقى على حاله مثلما كان ياولدي”.والختام كان مع
الشاعر زهير ابو شايب الذي قرأ عددا من قصائد درويش والتي يبرز
فيها الموت كثيمة اساسية بالاضافة الى قصيدته الاخيرة”لاعب
النرد”ومنها”ما أَقول لكمْ ؟ ـ وأَنا لم أكُنْ حجراً
صَقَلَتْهُ المياهُ ـ فأصبح وجهاً ـ ولا قَصَباً ثقَبتْهُ
الرياحُ ـ فأصبح ناياً ... ـ أَنا لاعب النَرْدً ، ـ أَربح
حيناً وأَخسر حيناً ـ أَنا مثلكمْ ـ أَو أَقلُّ قليلاً ...
سيظل حيا في تناغم الطيور
..برايتن برايتنباخ
تلقيت للتو النبأ الصادم بأن محمود درويش قد وافته المنية.
ومثلما هو الامر بالنسبة للكثيرين، كما يقر في يقيني، فإن
الكرب والألم الناجمين عن هذه الخسارة أمر عسير الاحتمال علي
نحو وثيق.
وقد حظي البعض منا، منذ عدة أسابيع، بفرصة الاستماع اليه يلقي
بقصائده باحدي ساحات مدينة أرل ‘بالجنوب الفرنسي’. كانت الشمس
قد غابت، وثمة نسيم هاديء يترقرق بين الاشجار، وأصوات أطفال
يلعبون تصل الينا من الشوارع المجاورة، جلسنا لساعات علي كراسي
حجرية قديمة، وقد دوخنا عمق وجمال هذا الشعر. هل كان هذا الشعر
عن فلسطين؟ هل كان عن شعبة الذي جيّقّتٌل، عن السماء القاتمة
والعلاقات الحميمية مع هؤلاء الذين يوجدون علي الجانب الآخر من
الجدار ،’الجندي’ و’الضيف’ المنفي والحب، العودة الي ما لم يعد
موجودا، ذكريات بساتين الفاكهة، أحلام الحرية...؟ نعم كتيار
عميق كانت كل هذه الأمور ماثلة، بطبيعة الحال، كانت تشكل
باستمرار قصائده، لكن كانت أيضا ثمة أشجار زيتون وتين وجواد
قبالة الأفق وملمس القماش وسر اللون في زهرة وعيون معشوقة
وخيال طفل وأيدي جد ، وعن الموت، المكرور بلطف آنا، أو بقسوة،
ضمنا، أو بشكل هازيء، أو حتي بشوق الموت، كثيرون منا كانوا
مصعوقين، ربما أحسسنا أتذكر ليلي؟ ان الامر كان شبيها بوداع،
مثل ذلك؟ علي أرض أجنبية؟ لقد توقف الزمن هناك، كان الرثاء
يشبه شعورا بالبهجة في الايقاع الدائم الشباب لشقيقين بلباس
أسود يعزفان علي آلاتهما الوترية برفقة الكلمات القادمة إلينا
من الأرض والنور الذي يهب علينا من تلك الاراضي البعيدة،
راودتنا الرغبة في البكاء، وكانت ثمة حتي ضحك وقد جعله يسيرا
علينا ليصير اللقاء احتفاليا. فيما بعد، أذكر ، لم نشأ مغادرة
المكان، كان الضوء قد خبا لكننا تباطأنا، كل منا يعانق ويتشبث
بالآخر، الغرباء حدقوا كل منهم بعيني الآخر، متلمسين بضع كلمات
من أجل تبادل بعض الأفكار، كم صار التحرك أنئذ شيئا أخرقا!
اذكر مدي عمق لمسه لنا، وكم كان سخيا وخفيفا، ربما، هل عرف أنه
سيرغب في الرحيل بهذه الطريقة،بلا دراما، أو تكلف، أو بيانات
غوغائية، ربما بيقين لا يباري.اليأس نعم والضحك أيضا، عزة
ومهانة المحارب. وبطريقة ما، دون أن نعرف أو نعي رغبته في
اراحتنا. قال انه قد جرد قصائده من كل شيء عدا الشعر. لقد أدرك
ربما بعمق أكبر من أي درجة بلغها قبلا المصير العالمي المشترك
والحس الانساني. ربما كان يحاول أن يبلغ انه قد آن الوقت ل
‘تذكر الموت’.
حين غادرنا في اليوم التالي. حين قلنا وداعا في أوتيل نوردبينو
فيما تطل علينا الملصقات الضخمة بالممشي والصور الفوتوغرافية
لمصارعي الثيران، نعاني الهشاشة مثل ملائكة في ألفة التجهيز
لانسحاب مستتر بالظلام، تلفنا الرائحة العبقة للزنابق في
المدخل، لقد أردت تقبيل يديه لكنه رفض.
سيمر الوقت، سيكون ثمة كلمات تأبين وثناء، سيكون ‘رسميا’، ‘صوت
الناس’.. كان يعلم كل ذلك وقد قبله، وأحيانا كان يسخر بلطف من
المبالغة والتوقعات المستحيلة. ربما ينسي الغضب، أو حتي يكف
الساسة عن محاولة سرقة النور من تركته المعقدة، تساؤلاته
وشكوكه، وقد يكف بعض المتهكمون في الخارج أيضا هذه المرة عن
اثارة اشمئزازنا بعرض ملؤه دموع التماسيح.
لقد رحل محمود درويش، وانتهي المنفي، ولن يعيش حتي يري نهاية
لمعاناة شعبه الأمهات والأبناء والأطفال الذين يجهلون سبب
ضرورة مجيئهم للعالم في قلب هذا الرعب، والقسوة المتعسفة التي
تشكل لحظاتهم الأخيرة، لن يغيب محمود درويش أبدا. لن تغيب
الصورة الظلية للملابس الأنيقة التي عفا عليها الزمن والأحذية
المصقولة، لن تغيب عيناه اللتان تلمعان ببريق الذكاء خلف
العدسات السميكة، لن تغيب المضايقة، الفضول للعالم في حميمية
ادراكه للمقربين منه، ولا التحليلات الحادة لنقاط الضعف وحماقة
الساسة، ولا انسانيته أو ابتعاده عن الخمور واقباله علي
التدخين بشراهة، لن يغيب كرم ضيافته الذي يمنعه من فرض آلامه
عليك، ولا الصوت الذي يتكلم من مساحات متجددة الشباب من الشعر،
ولا القصائد، ولا كلماته التي صنعت حبا لكل زمان.
لقد أردت فحسب الوصول لكم، بعضكم، أعرف ذلك، لابد انه يبكي كما
افعل الآن، البعض منكم لم يلقاه ابدا، لكن بالتأكيد، كان
بالنسبة لنا جميعا مرجعية، ربما سنتوقف في مكان ما لاننا سمعنا
رفرفة فوق رؤوسنا، وسنتشبث بيد حامية لعيوننا المبهورة فيما
نفتش السماء.
سيظل حيا بالنسبة لي في هذا التناغم الذي تصنعه الطيور، لقد
اخبرته في آرل برغبتي في ان اقترح علي رفاقي من الشعراء بانه
يجب علي كل منا، اعلان أنفسنا ‘فلسطينيون فخريون’ حاول يومها
أن يضحك مخفيا حرجه المعتاد من شقيق. وفي الحقيقة، يالسقم
محاولاتنا لفهم ومقاربة الضرورة التي لا عزاء لها! لن نتمكن من
الموت أو الكتابة في مكان شعبه، في مكان محمود درويش. لكن
لايزال، علي نحو ما اشارة ولو بسيطة، حاجتي لمحاولة القول بمدي
الفخر الذي اشعر به لمعرفتي هذا الرجل ولو قليلا وكم كان شعره
مميزا ومدموغا بالموهبة، ورجائي الاحتفاء بعزة وجمال حياته عبر
تقاسم هذه اللحظة سريعة الزوال معكم .
حنا مينا: أقبروني في أي قبر متاح.. رجاء لا أريد عزاء

نشر الروائي السوري المعروف حنا مينا وصيته في سوريا عبر الصحف
الرسمية بعد أن بلغ من العمر 84 عاما، معربا عن شعوره بأنه عمر
طويلا.
وطلب مينا في وصيته ألا يذاع خبر وفاته في أي وسيلة إعلامية
ويحمل نعشه أربعة موظفين من دائرة دفن الموتى دون أحد من
معارفه. وتابع: “بعد إهالة التراب علي، في أي قبر متاح، ينفض
الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت
الدائرة”. كما أوصى بالا تقام له أي تعزية أو شكل من أشكال
الحزن مشددا على عدم إقامة حفل تأبين له وقال إن “الذي سيقال
بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذا التأبين، وكما جرت العادة،
منكرة، منفرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي
منها”.
وختم الروائي السوري وصيته بترك حرية التصرف بما يتركه من إرث
لـ”من يدعون أنهم أهلي”، ما عدا منزله في مدينة اللاذقية الذي
أوصى به لزوجته مريم دميان سمعان طوال حياتها.
وذيل وصيته بتوقيعه وبالتاريخ “ 17-8-2008”.
تجدر الإشارة إلى أن هذه المرة الأولى التي تنشر فيها شخصية
معروفة وصيتها بهذه الصورة الدرامية في سوريا.
الأدباء ورثاء الذات
..
نهلة
الجمزاوي
أدرك “جلجامش” مبكرا وهو ابن الآلهة الذي ورث عن أبيه البشري
حقيقة الفناء ، أنه سيموت يوما ليقضى جزء كبيرا من حياته في
البحث عن أسباب البقاء .. وبعدما سرقت الأفعى منه عشبة الخلود
التي حصل عليها بعناء حسب الأسطورة ، عرف أن لا شيء يحافظ
على بقاءالإنسان سوى عمل عظيم .... وكان عزاؤه في السور
العظيم الذي صنعه ليخلده الى الأبد .
وانطلاقا من ذات الفكرة استطاع الفراعنة صنع معجزة التحنيط
وبناء الأهرامات فمنذ البشرية الأولى و الشعوب تتفنن في
ابتكار وسائل للدفاع عن البقاء كان أبرزها اللجوء الى الفن
والأدب في مقاومة الموت.
النعي المسبق للذات ظاهرة أدبية قديمة تضعنا أمام دهشة
السؤال ونحن نصغي للشاعر وهو يستبق موته فيقول : “يقولون لا
تبعد و هم يدفنوني *** و أين مكان البعد إلا مكانيا”
فمنذ مالك بن الريب وقصيدته التي نعى فيها نفسه واضعا الآخر
في حضرة موته ونحن نتساءل عن الدافع الجواني للأديب في استحضار
شكل موته ، وكأنها محاولة لإنتزاع بقاء مجازي ينقذه من حتمية
الموت ، ذاك الذي يقهر ديمومة الوجود الفيزيائي لجسد الإنسان
على الأرض ...
الخوف المكابر من الموت هو ما دفع ابن الريب لرثاء نفسه
كوسيلة مغايرة للدفاع عن النفس ضد خطر الفناء إذ يبدأ الشاعر
بذكر الموت في حالة من الحزن المغلف بالشجاعة والسخرية ويبدا
بإنجاز الكلام العظيم القادر على تخليده فيقول ساخرا مما سيحل
به وقد أصبح جثة بلا حياة :
“خُذاني فجُرّاني ببردي إليكما *** فقد كنت قبل اليوم صعبا
قياديا”
فيما يسخر درويش من الموت وطقوسه ومشيعيه في كتابه النثري “في
حضرة الغياب فيقول :
“ أقف الآن باسمك كي أشكر مشيعك الى هذا السفر الأخير وأدعوهم
الى اختصار الوداع والإنصراف الى عشاء احتفالي يليق
بذكراك...........”
بينما يستبق حنا مينا موته بمكابرة أشد وأعنف برفضه لكل
الأشكال الطقسية للجنائز والموت فيقول في وصيته :” بعد إهالته
التراب عليّ، في أي قبر متاح ، ينفض الجميع أيديهم ويعودون الى
بيوتهم ، فقد انتهى الحفل وأغلقت الدائرة “
ومينا الذي عاشر الحياة بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة ، فعشق
زرقة البحر رغم صراع الميناء وقراصنة وتجار الحياة ، وكتب
دائما للحرية منتصرا للبقاء ،يقف شامخا وهو على عتبة الحياة
ليطلق صرخة ضد الموت بلغة جديدة ، فيها من التحدي الصارم لشكل
الموت أمام حتميتة مضمونه القادم بلا ريب ، فهي مقاومة
واحتجاج ضمني على الموت القادم ومواجهة جميلة بكبرياء الكلمة.
التساؤل يكمن في جدلية الحياة والموت التي لها وقع مختلف في
نفس الأديب عن غيره من البشر، فلماذا يخشى الأديب الموت أكثر
من غيره ، ربما لأنه يشعر دائما بدوره كمخلّص ومصوّب لأخطاء
الحياة ، وأنه صاحب رسالة وقضية ، فوجوده ليس عبثا وإنما هو
ضرورة لها وقعها، فهو دائم الشعور بأنه قادر على فعل الكثير من
أجل الحياة ، فهل هو يخشى على الحياة من غيابه أم أنه يخشى على
حياته من الغياب فيفقد هذا الدور التبشيري الذي لازمه وأرهقه
وأمتعه طوال رحلته ،و من هنا يأتي تشبثه بالبقاء متمثلا في
نعيه لنفسه كنوع من التورية لحقيقة شعوره وهو لا يزال يضع
أصابعه على مفردات الكون في محاولة لصنع الشكل المجازي
للحياة التي لم يتمكن من تغيير ملامحها كما يريد على أرض
الحقيقة ..
ذلك لأن النزوع الى الحرية أقصى من يسعى إليه الأديب وهذا ما
يزجه دوما في الصراع مع مقومات أسباب الوجود الإنساني وأبرزها
الحرية ...ومن هنا تبدأ لديه إشكالية الدفاع عن الحياة
بمحاولة البقاء على قيدها ومن ثم تنشأ لديه فكرة العمل
الخالد المتمثل بالأدب أو الفن، فهل في ذلك حقيقة أم عزاء.