بعد ستين عامـــــــا على النكبة
اللاجئون يرفضون التعويض و يحلمون بالعودة

يحيي
الشعب الفلسطيني كل عام ذكرى نكبته الكبرى .. ذكرى مأساته
الإنسانية .. التي حلت عليه في الخامس عشر من شهر أيار عام
1948 .. على أيدي عصابات الإجرام الإرهابية.. التي أسست على
أنقاض وجوده دولة حظيت بالرعاية والدعم الدولي .. هي دولة
إسرائيل .. دولة لم تحدد ولغاية اليوم حدودها .. وشنت فيما بعد
الإعلان عن وجودها .. العديد من الحروب ، لتحقّق أحلام وأطماع
مؤسسيها.. في أن تتسع لتسيطر على كامل الأرض الواقعة ما بين
النيل والفرات .. وان تهجّر وتشرد أصحاب وسكان الأرض الأصليين
، لتحافظ على الطابع اليهودي والعبري للدولة ... صحيح أنّ
المشروع الصهيوني قد تعثّر بفعل التصدي والمقاومة الشديدة
للشعوب العربية -- وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني -- لكن هذا
المشروع لم ينتهي .. بل انه يتجدد باستمرار ، ويأخذ في كل
مرحلة طابعا وشكلا جديدا.. ولكن تجليات المشروع الصهيوني تبدو
اليوم أكثر وضوحا وتجليا ، وذلك من خلال مشرع جدار العزل
والفصل العنصري ، الذي تريد منه إسرائيل أن يشكل حدودا سياسية
وأمنية للكيان الفلسطيني الهزيل -- الذي يخططون من اجل السماح
بإقامته -- ليقضي على الطموح الفلسطيني بإقامة الدولة
الفلسطينية المستقلة على كامل الأراضي المحتلة عام 1967 ..
كما ويحمل مشروع جدار العزل في طياته نوايا وأهداف مبيتة في
تكثيف الضغوط على الشعب الفلسطيني الذي سيسجن داخل الجدار من
اجل إجباره على الهجرة والرحيل من جديد خارج وطنه .
إن الشعب الفلسطيني وهو يحيي هذا العام .. الذكرى الستون
لنكبته الكبرى ، يسترجع ما في ذاكرته الوطنية من حروب ومعارك
، ومشاريع ومؤامرات ، ويسترجع ما في مخزونه النضالي من ملاحم
بطولية ، وصمود وإصرار ، أفشلت وما زالت تفشل ، كل مآرب أعداء
هذا الشعب ، الذين يوجهون سهامهم القاتلة ، ضد كل طموحات الشعب
المشروعة ، وبالأساس منها حقه العادل بالعودة إلى دياره الأولى
، التي تم طرده وتهجيره منها -- ذلك الحق المنصوص عليه
بالقرارات الدولية -- وأهمها قرار الجمعية العامة للأمم
المتحدة رقم 194 -- والذي تجري اليوم محاولات مشبوهة للقفز
عنه ، وتفسيره بشكل يحرم ثلثي الشعب – وهم اللاجئين – من حقهم
المقدس بالعودة إلى وطنهم الأصلي ، ويأتي ذلك منسجم أيضا مع
المواقف الأمريكية ، التي عبر عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش
برسالة الضمانات ، التي أعطاها للإرهابي شارون.
إنّ ذكرى النكبة تحمل في طياتها هذا العام -- وفي كل عام --
معان ودروس كثيرة أهمها أنها :
ذكرى اقتلاع وتشريد أكثر من ثلثي الشعب الفلسطيني ، خارج
وطنهم الأصلي وبعيدا عن ديارهم التي ولد وعاش ومات فيها آباؤهم
وأجدادهم .
ذكرى قيام العصابات الصهيونية الحاقدة المجرمة بارتكاب ابشع
الجرائم والمجازر ضد شعب اعزل مسالم لتجبره على الرحيل والهجرة
من أرضه ، لتؤسس عليها دولة .. أطلقت عليها اسم إسرائيل ..
ذكرى حصول هذه الدولة المغتصبة .. إسرائيل .. ظلما وبسابقة
نادرة في التاريخ ، على اعتراف دولي بها ، لتكرس وجودها
اللاشرعي على الأرض العربية ، التي اغتصبتها من أصحابها
الشرعيين .
ذكرى تشهد على العجز الدولي أمام الغطرسة والقوة وعلى
الانصياع للغاصب المعتدي ... فرغم أنّ الاعتراف الدولي الذي
حصلت عليه إسرائيل بقرار 194 كان مشروطا بسماحها بعودة
اللاجئين إلى ديارهم إلا أنّ هذه الدولة رفضت تنفيذ هذا الشرط
ووضعت كل العراقيل للتنصل من مسؤولياتها ، ووقف المجتمع الدولي
وكافة هيئاته ومؤسساته عاجزا عن إلزام إسرائيل بتنفيذ هذا
الشرط .
ذكرى الألم الذي ما بعده ألم ، والمعاناة التي فاقت وتفوق كل
الحدود .. شعب يقتلع من أرضه ، ويلقى به في غياهب التيه ليواجه
مصيره .. خيام ومخيمات ووكالات المساعدة الأجنبية.. فقر وألم
وجوع ومرض .. حروب تصفية وقيود وملاحقات .. غربة قاسية وفقدان
للجنسية.
ذكرى كارثة مضت منذ 60 عاما ، لكنها ما زالت حية راسخة في
عقول وقلوب أصحابها ، لم يطويها النسيان ولم تنهيها المؤامرات
والمشاريع التصفوية .. ذكرى تكذّب مقولات قادة بني صهيون ،
الذين ظنوا أنّ الزمن كفيل بإنهاء القضية وقالوا – الكبار
يموتون والصغار ينسون .
ذكرى تشهد على تمسّك أصحاب الحقوق بحقوقهم ، وإصرارهم على
نيلها ، وتقديمهم أغلى ما يملكون من دمائهم وأرواحهم ، ليتركوا
لأجيالهم القادمة ما يمكنهم من الافتخار به بتطهير أرضهم من
دنس المحتلين الغاصبين ، ويرسموا لهم آفاق المستقبل الواعد
الخالي من الألم والمعاناة .
البقعة.. رحلة عذاب
في الطريق الى المخيم تخالف الكلمات شاعرها وفي الطريق الى
المخيم سنوات من العجز والبؤس والحلم فعلى الرغم من مرور 60
عاما على اول لجوء فلسطيني الى الاردن والاقامة في المخيمات
فان حلم اللاجئين بالعودة الى مدنهم وقراهم في فلسطين مازال
يراودهم حتى اولئك الذين لم يتسن لهم مشاهدة وطنهم الاصلي
وهم كذلك يرفضون التعويض عن هذا الوطن لكن الكثيرين منهم
يعتقدون ان حلم العودة بعيد المنال.
وعلى مدى خمسة عقود أصبح مخيم البقعة منطقة سكن دائمة لموجتين
من الفلسطينيين الذين هجروا إلى الأردن نتيجة حرب 1948 و1967.
لكن لا أحد يتقبل الفكرة بأن مخيم البقعة الذي يقوم على أرض
مساحتها 1.4 كم مربع ويبلغ عدد سكانه حوالي 120 ألفا وهو بذلك
أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في الأردن والشرق الأوسط، قد
أصبح وطنا دائما.
الحاجة أم عمر (65 عاماً) من سكان مخيم البقعة تستذكر شريط
الهجرة من قريتها الدوايمة وهي ابنة 12 عاماً كأنه كان بالأمس
على حد قولها، وتضيف والأسى يلون حديثها: ((يا ابني بقينا
عايشين عيشة لا هم ولا غم، لو معانا مصاري الدنيا كلها ما إلها
طعم، فيه زي بلاده؟!)).
وعن أملها بالعودة إلى فلسطين تقول الحاجة أم محمد: ((ربنا
يقول حق علينا نصر المؤمنين، بقدرة رب العالمين غير الله
ينصرنا... إذا ما قدرنا لهم، الله بقدر عليهم (اليهود)، فكرك
الواحد بينسى بلاده؟!)).
ولدى سؤالنا عن رأيها في موضوع التعويض بدلاً من العودة،
انتفضت الحاجة أم محمد قائلة: ((الله لا يعوض عليهم اللي بدهم
يعوضونا عن بلادنا، نبقى مطفشين وما بدنا مصاريهم، الحمد لله
في أمل.. يا نرجع عبلادنا يا نبقى في المخيم، حتى ما بدنا
يطلعونا من المخيم.. ولا بدنا مليم من أمريكا.. واللي بده
يوافق على هالكلام يجعل مأواه جهنم)).
وفي زاوية أخرى من زوايا المخيم ذاته يجلس الحاج أبو عاطف وهو
من بلدة الفالوجة، في دكان شديد التواضع، ويبدأ الحديث عن
النكبة بزفرة تملؤها المرارة فيقول: ((إسرائيل تراوغ وتضحك على
العرب)). ويرفض أي حديث عن التعويض موضحاً بالقول: ((أرفض مهما
كان الثمن، لأنهم لن يعطونا ما نريد))، مضيفاً أنه ((بغير
الجهاد لن تعود البلاد)).
أما الحاج أبو أحمد منصور من قرية صيدون قضاء الرملة فيقول إن
حال اللاجئين بعد 59 عاماً من النكبة ((بهدلة وعزارة))، ويضيف:
((شرفنا راح مع بلادنا)).
و يقول محمد عرار(41 سنة) إلى المخيم في عام 1967 عندما كان
طفلا بين ذراعي والدته وبعد أربعين سنة أصبح جدا.
ويقول عرار إن عائلته أجبرت على الرحيل من بيتهم قرب بيت لحم
في عام 1948 إلى مخيم لاجئين في الضفة الغربية ثم هجروا مرة
أخرى من ما تبقى من فلسطين التاريخية ليجدوا ملاذا في البقعة
عام 1967.
ويضيف أنه أصيب بخيبة أمل من الوضع السياسي للصراع الفلسطيني
الإسرائيلي المستمر، لكنه قال “ليس من أي سبيل للتعامل معه
سوى القبول به.”
وعندما سئل فيما إذا كان سيعود إلى موطنه، هز برأسه على
الفور قائلا “أنا فلسطيني وهنالك رابطة طبيعية بيني وبين وطني
مع أنني ليس لدي أي فكرة عنه.”
وتؤكد لاجئة فلسطينية أخرى وتدعى كرمل(25 سنة) أن والديها
يحلمان بوطنهم حيث يعتقدان أن وجودهم في الأردن مؤقت.
وقال صاحب متجر رفض التعريف عن نفسه “إنني أصلي كل يوم من أجل
العودة إلى القدس، فأنا لي بيت كبير هناك”.
وقالت صالحة عجوري أن عائلتها لها خمسة أبناء وأن عليها أن
تعتمد على زوجها لكسب معيشتهم، ومع أن أبناءها يتمتعون
بالتعليم المجاني في مدارس المخيم فإنهم لا يستطيعون أن يلبوا
حاجاتهم.
وصالحة ليست راضية عن الحياة التعيسة في المخيم وهي تؤمن
بحياة أفضل في دولة فلسطينية مستقبلية وتقول “لنا أرض هناك
وهذا المكان ليس وطني.”
ومعدل البطالة بين اللاجئين في الأردن أعلى من المعدل الوطني
وفقا لدراسة صدرت عن المركز عمان لحقوق الانسان.
يوجد 13 مخيما للاجئين الفلسطينيين منتشرة في الأردن وهي تؤوي
6. 1 مليون نسمة وفقا لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين التي توفر
خدمات أساسية عديدة للاجئين الفلسطينيين المسجلين بما فيها
التعليم الأساسي والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات
الاجتماعية.
وفي مخيم البقعة وحده أسست الوكالة الدولية 16 مدرسة ومركزين
صحيين، حيث يقول الدكتور غازي الكوز مدير منطقة عمان للشؤون
الصحية الذي كان يتفقد أكبر مركز صحي في البقعة “نحتاج إلى
مخصصات أكثر ونحن نعاني من نقص في الطاقم الطبي في المركزين.”
ويضيف الكوز أنه لا يوجد سوى أربعة أطباء وثلاثة محللي مختبر
و18 ممرضا وممرضة، مشيرا الى ان على كل طبيب أن يعالج أكثر من
100 مريض يوميا، خاصة ان هناك العشرات من المرضى جالسين
بانتظار دورهم.
وهو كفلسطيني يتشوق للعودة ومع هذا فقد اشترى بيوتا وكون
عائلة ويعمل منذ عقود في الأردن لكنه لا يستطيع أن يرسخ جذوره
في البلد المضيف.
لكنه يعتقد أن العودة شيء بعيد، قائلا ان “مؤتمر السلام
الدولي الذي دعت اليه الولايات المتحدة حول الشرق الأوسط في
الشهر القادم لن يؤدي إلى أي شيء ايجابي”، ناهيك عن القضية
الشائكة وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين في عملية السلام الشرق
أوسطية المتعثرة.
وفي المخيمين، النصر وشنلر قامت الاهالي بجولة سألت فيها عددا
من اللاجئين حول العودة والذكرى الستون للنكبة.
سؤال : لو سمحت اتعرف عليك ؟
جواب : اسمي الحاج حسن ابو محظية من قرية الخيمة قضاء الرمله
سؤال : ماذا تعني ذكرى النكبة بالنسبة لك ؟
جواب : ذكرى مليئة بالويلات والمرارات ، ولكنها تذكرنا بفلسطين
وببشاعة الهجرة والموت على يد الصهاينة والانجليز ، ولكننا لن
ننسى ديارنا وسنورث هذه الامانه لاولادنا واحفادنا واحفادهم
ونتمسك بحق العودة تمسكنا بشرفنا ونتوجه للمتصارعين من فتح
وحماس ان يحسوا على انفسهم ويتذكروا دم الشهداء ويكفي قتلاً
ودماء ً واليهود ما زالو محتلين واخيراً القضية ستظل حية وما
فيه حق بضيع ووراءه مطالب .
سؤال : اسمك بالكامل يا عم ابو صابر ؟
جواب : اسمي محمد عبد المنعم الصوري ، من بيت نتيف ، بجوار
عجور وزكريا وعمري ٨٥ عاماً .
سؤال : ماذا تعني لك ذكرى النكبة ؟
جواب : تعني الي رغم كل البلاء اللي ذقناه في الهجرة من ديارنا
وممتلكاتنا سنة ١٩٤٨ تحت رصاص ومدافع الصهاينة ، الا اننا لن
ننسى بلادنا ولن نقبل عنها بديل ، واللي ببيع وطنه ما عندوش
شرف ولا دين وليس امين على بيته ، وهذه امانه من الآباء
للاولاد والاحفاد واحفاد الاحفاد ، العودة العودة العودة ونطلب
من الله ومن القيادات الفلسطينية ان تحس بالم الناس وتتوحد
وتحترم دماء الشهداء وعيب انها اتظل غزة على جال والضفة على
جال وكأن العرب عربين ، وشوف حتى اقولك ما بروح حق وراءه مطالب
وسلامتك والله يوفقك .
سؤال : الاسم لوسمحت ؟
جواب : محمد حسن الجرجاوي ، من قرية عاقر قضاء الرملة وعمري ٧٥
عاماً .
سؤال : عمي ابو شحدة ماذا تعني ذكرى النكبة سنة ١٩٤٨ بالنسبة
اليك ؟
جواب تعني رغم الويلات واضطهادات التشرد بلا طعام ولا مأوى ولا
دواء الا انها ستظل دافعاً للحفاظ على فلسطين وديارنا وتبقى في
العقل والقلب والروح ، وسآورث هذا للولد والحفيد وحفيد الحفيد
، واتمنى من الله ان يصلح حال الفلسطينيين ويتوحدوا وبلاش عيب
قدام العدو الصهيوني الموحد احنا يا اصحاب الحق انسوي العرب
عربين واحنا في خطر .
وأخيراً يا ابني الحق حق وما بروح حق وراه مطالب .
سؤال : لو سمحت اتعرف عليك ؟
جواب : اسمي محمود محمد ابو حجر من قرية الدوايمة قضاء الخليل
، والان من سكان مخيم شنلر .
انت لاجىء من لاجئي سنة ١٩٤٨ ،
سؤال : هل تذكر مذبحة الدوايمة ؟
جواب : اذكرها كان عمري ١٣ عام ، دخل الهاغاناه على الناس في
المصلى واطلقوا النار عليهم وذبحوا الجرحى بالحراب بما فيهم
اطفال ونساء وشيوخ وكانوا مسلحين والاهالي عزلاً لان الانجليز
كان يمنعنا من حمل السلاح .
سؤال : ماذا تعني لك ذكرى النكبة ؟
جواب : تعني ذكرى التهجير من بلدي وداري بالذبح والموت الاحمر
على يد الصهاينة ذكرى تذكرنا بجرائم اليهود والانكليز اللي
جابوهم وسلحوهم واعطوهم الاراضي باسلحتها ، واحنا كانوا
يمنعونا من حمل السكين ، انها ذكرى مولمة ولكنها تعلمنا ان لا
ننسى بلادنا وان نعمل بكل قوانا من اجل العودة لان الوطن اغلى
من اي ثمن ولا بنباع ولا بتبدل ولو اننا بخير في الاردن والله
يحميه من البلاء ويخلي قيادته ، لكن يا اخي الوطن مثل الدين
وهو شرف الانسان ،والتمسك بالعودة فرض .
واستطرد “ فكيف اليهود اتلملموا من كل فج وميل وهم ليسوا اصحاب
حق وجاؤو غزاة بحماية الانجليز وهالوكت بحماية اميركا “ ، ولاذ
بصمت عميق وقال :لو الله يهدي ها الفلسطينيين ويتوحدوا والله
ما حدا بقدر يهزمهم ، لكن ان تبقى غزة في واد والضفة في واد
والخلاف قايم قاعد ، اللي بيقبل ذلك يكون خان فلسطين والله
سيحاسبه والشعب لا بد في يوم من الايام يحاسبه ، وتظل فلسطين
في العقل والقلب من الاب للابن والى ابن الابن ، ولانه مريض
خرجنا وشكرناه وكان ذلك بعد ان حان اذان المغرب .
علية الشباطي كان عمرها 12 عاما عندما فرت من هجمات اليهود على
قرية كابري التي تم الاستيلاء عليها بعد أيام من قيام اسرائيل.
وقالت علية التي كانت ترتدي فستانا أزرق وغطاء رأس أبيض وهي
تجلس في غرفة المعيشة بمنزلها المتواضع في مخيم برج البراجنة
في بيروت “كان لدينا منازل وأراض.” وأضافت “وكان لدينا أشجار
زيتون وعنب وكمثرى ونخيل. كان لدينا بساتين فاكهة وحقول. والآن
ماذا لدينا.. لا شيء.”
وقصة حياة علية تجسد مرارة السلب والاقامة في المنفى التي يشعر
بها نحو 4.5 مليون لاجيء فلسطيني وأحفادهم الذين يعيشون في
مخيمات بائسة في لبنان وسوريا والاردن والضفة الغربية المحتلة
وغزة أو في الشتات.
وبالنسبة لعلية التي فقدت ثلاثة من اطفالها الاحد عشر فان
قصتها فريدة وتقول “ما ذقته لم يذقه أحد قط”.
القوات البريطانية قتلت والدها اثناء تمرد فلسطيني في عام 1936
بعد فترة قصيرة من ولادتها.
وبعد مرور 12 عاما فرت من قرية كابري مع امها وشقيقها وجدتها
مع نساء واطفال اخرين بعد هجوم قوات الهاجاناه اليهودية. وكان
عمها وعدة أقارب اخرين بقوا في القرية بين الذين قتلوا.
ومصير قرية كابري كان جزءا مما يقول الفلسطينيون وبعض الباحثين
اليهود انه عملية تطهير عرقي منظمة أمر بها الزعماء الصهاينة
لتمهيد الطريق امام قيام الدولة اليهودية.
وترفض اسرائيل ذلك وتدعي ان مشكلة اللاجئين نتجت عن الحرب التي
شنها الفلسطينيون الذين عارضوا خطة التقسيم التي أقرتها الامم
المتحدة في 29 تشرين الثاني عام 1947 والدول العربية التي قامت
بالغزو بعد انتهاء الانتداب البريطاني يوم 15 ايار عام 1948 .
ووفقا لاجماع فانه من بين 1.4 مليون عربي كانوا يعيشون في
فلسطين في عام 1947 نزح أكثر من 700 الف من ديارهم بحلول عام
1949 .
وقبل ان يندلع القتال في اواخر عام 1947 كان نحو مليون عربي
و600 الف يهودي يعيشون فيما أصبح اسرائيل. وقامت اسرائيل على
78 في المئة من فلسطين ايام الانتداب. وكانت خطة الامم المتحدة
التي رفضها العرب ستعطيها 56 في المئة من هذه الارض.
وبعد سبع سنوات في مخيم لاجئين في سوريا تزوجت علية وجاءت الى
برج البراجنة على مشارف بيروت حيث انشأت اسرة مع زوجها بائع
اللبن (الزبادي).
وقتل ابنهما محمد (23 عاما) في معركة مع القوات الاسرائيلية
التي غزت لبنان لطرد مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية في عام
1982 . وقتل شقيقه علي (24 عاما) في عام 1985 عندما هاجمت
ميليشيا أمل الشيعية المخيمات الفلسطينية في بيروت.
وتحلم علية بالعودة الى كابري حتى لو اضطرت الى الاقامة في
خيمة مرة اخرى. وقالت “سوف أمشي على قدمي أي مسافة في امكاني
من اجل العودة” ساخرة من سؤال عما اذا كانت ستفكر في الانتقال
الى دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة في نهاية الامر.

ويلقى الفلسطينيون معاملة أسوأ في لبنان مقارنة مع الدول
العربية الاخرى مثل الاردن حيث يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة
وسوريا حيث يتمتعون بالحقوق المدنية وليس السياسية.
وقال يزيد صايغ وهو باحث فلسطيني بجامعة كيمبردج البريطانية
“لديهم تاريخ خاص من التعرض للعنف والمذابح والتهميش
والاستبعاد من جانب السلطات اللبنانية من خلال السبل القانونية
والوسائل الاخرى.”
وقال ادريس (35 عاما) ابن علية ان القوانين اللبنانية التي
تحظر على الفلسطينيين ممارسة 70 مهنة سببت لهم مصاعب جمة بعد
ان ادرك ان ابنه ليس في امكانه ان يأمل في ان يصبح محاميا أو
طبيبا.
وشكا قائلا “لا يمكنك ان تعيش حياتك كمواطن هنا.”
وتهدف القيود اللبنانية على اللاجئين التي خففتها قليلا
الحكومة الحالية لرئيس الوزراء فؤاد السنيورة الى ردع
الفلسطينيين وغالبيتهم من السنة من الاستقرار بصفة دائمة
والاخلال بالتوازن الطائفي في لبنان.
وتعارض اسرائيل بشدة السماح بعودة أي لاجئين الى ديارهم
الاصلية بحجة ان هذا سيدمر الدولة اليهودية بتعريض الغالبية
اليهودية للخطر.
وقبلت منظمة التحرير الفلسطينية صيغة خطة سلام اعدتها جامعة
الدول العربية تدعو الى “حل عادل ومتفق عليه” يتفق مع قرار
الامم المتحدة الذي يقترح العودة أو التعويض للاجئين الراغبين
في العيش في سلام مع جيرانهم.
ويسلم عقل الذي هربت عائلته من مدينة يافا الساحلية في عام
1948 بأن مصالح اللاجئين لم تؤخذ في الاعتبار تماما “ليس لاننا
تخلينا طواعية عن حق العودة وانما لان توازن القوى ادى الى ان
مسألة اللاجئين لم تعد لها أولوية في أي جدول أعمال”.
وقال صايغ انه نادرا ما تم التشاور مع اللاجئين بشأن رغباتهم
ولم يكن لهم قول يذكر في محادثات السلام الاسرائيلية
الفلسطينية خلال الاعوام الخمسة عشر الماضية التي تستهدف حلا
قائما على أساس دولتين.
وقال “الاتجاه هو اعتبارهم عقبة فعلية أو محتملة امام السلام”
مضيفا ان هذا الموقف لم يقتصر على اسرائيل فقط أو حليفها القوي
الولايات المتحدة.
وقال “جزء من القيادة الفلسطينية عاملهم أيضا على انهم مثيرو
متاعب محتملون قد يدمرون أي اتفاق سلام.”
وقالت ريم كيلاني وهي مطربة تقيم في بريطانيا سجلت العديد من
الاغاني الفلسطينية التقليدية “تحتاج الى ان تعترف بما حدث في
عام 1948”.
وقالت ان الفلسطينيين في المخيمات في الشتات يجب عليهم احياء
الذكرى التي تحل هذا الشهر باعادة التأكيد على هويتهم. واضافت
“بالنسبة لي هو احتفال بتاريخ الثقافة الفلسطينية قبل واثناء
وبعد 1948. المسألة ليست ضحايا فقط.”
وقال صايغ “يواجه اللاجئون الفلسطينيون الان أكثر من أي وقت
مضى في الاعوام الستين الاخيرة تراجعا خطيرا في خدمات الانروا
نتيجة تراجع تبرعات الدول المانحة .
وأضاف الاكاديمي الفلسطيني “انهم بصدد أن يصبحوا مرة اخرى أضعف
المجتمعات وفقا لكل مؤشر قياس.”
وقال “اننا ننظر الى عودة ظهور طبقة دنيا حقيقية.