اليوم : الخميس – التاريخ : 10-17/7/2008- العدد- 777

 

حشد



 

كاريكاتير


 

 

 

 

      قضايا ساخنة

 

الولايات المتحدة تنهب، والفقراء يدفعون الثمن

 



الاهالي- مليارات البشر، فى أربع جهات الأرض، ومن بينهم الـ850 مليون الذين يعيشون تحت خط الفقر، يدفعون من قوت يومهم، ثمن ظاهرة ”ارتفاع أسعار المواد الغذائية”.

وقد يسجل مؤرخو المستقبل أن هذه الظاهرة هى المأساة الأولى فى التاريخ التى تصيب كل إنسان، فى كل يوم، وفى كل مكان، دفعة واحدة.

وما من كارثة فى التاريخ سجلت هذا المقدار من الضحايا. لم تتمكن أعتى الزلازل والفيضانات والأوبئة من إصابة كل البشر دفعة واحدة. وما من ظاهرة إقتصادية، فى كل مراحل التاريخ، أسفرت عن إلحاق ضرر مباشر بكل الناس على وجه الكرة الأرضية.

اليوم، نكتشف أن هناك قوة دولية هى وحدها التى تستطيع أن تفعل ذلك، وهى وحدها التى تستفيد منه. قوة هى أسوأ من أسوأ هزة أرضية، وهى وباء أعتى من أى طاعون تعرض له البشر فى أى مرحلة من مراحل تاريخهم. إنها، بلا فخر: الولايات المتحدة الأمريكية.

لا أحد، بين الكثير من ”الخبراء” و”المحللين” ومسؤولى المنظمات الدولية يقول لك ما هو موقع الولايات المتحدة من الإعراب فى ظاهرة ارتفاع أسعار المواد الغذائية.

وعلى مدى أشهر من النقاشات والتقارير والبيانات فقد تم إلقاء اللوم على كل شيء تقريبا، إلا السبب المتعلق بالولايات المتحدة نفسها، رغم انه أكثر أهمية وأكثر شمولا من ثلاثة أرباع الأسباب التى قيل ”وما يزال يقال” إنها تقف وراء تلك الظاهرة.

وأسباب ”الخبراء” كثيرة. وبعضها جدير بالإعتبار بالفعل، إلا أنها، بتحاشيها ذكر السبب الأهم، تبدو وكأنها تؤدى وظيفة التغطية بدلا من تقديم التفسير، لتقترح بالتالى معالجة العَرَض وتترك المرض سالما.

وتمتد قائمة تلك ”الأسباب” لتشمل: ارتفاع أسعار النفط، مضاربات الأسواق، اضطرابات العرض والطلب، ارتفاع تكلفة الإنتاج، تنامى استخدام الوقود الحيوي، المتغيرات المناخية، تربية الحيوانات على حساب المزارع، الحروب والنزاعات الأهلية، وفشل السياسات الزراعية. بل إن الرئيس الأمريكى جورج بوش ووزيرة خارجيته كوندليزا رايس لم يترددا فى إلقاء اللوم على الدول النامية نفسها بالقول ”أن الازدهار الاقتصادى فى هذه الدول يترتب عليه زيادة الاستهلاك للمواد الغذائية، وعليها أن تتحمل جزءا من مسؤولية إرتفاع أسعار المواد الغذائية فى العالم”. وهكذا، ووفقا لهذا المنطق، فبدلا من أن يكون الإزدهار حلا، فقد أصبح مشكلة. ومن وجهة نظر الرئيس بوش فليس من المفيد أن يزدهر أحد، إلا الذين باركت العنصرية الغربية من حولهم.

سلطة الدولار

ولكن الشيء الذى لا يتحدث عنه أحد، فى ظاهرة ”ارتفاع أسعار المواد الغذائية” هو صلتها المفصلية بالظاهرة الموازية: ”انخفاض قيمة الدولار”.

على الرغم من المكانة المتزايدة التى تحتلها عملات من قبيل اليورو، الين، اليوان، والإسترليني، كبدائل موازية ”غالبا ما تستخدم فى نطاق ”سلة” احتياطات” إلا أن الدولار ما يزال ”المقاصّة” التجارية الأهم فى العالم.

الولايات المتحدة ليست إمبراطورية عسكرية فقط. ‘إنها إمبراطورية دولار بالدرجة الأولى. لا تملك واشنطن قواعد عسكرية فى كل مكان. ولكن دولاراتها موجودة فى كل مكان. وهى ”وسيط” ثلاثة أرباع التبادلات التجارية الدولية، بما فيها تجارة المواد الغذائية.

الآن،... المُزارع الذى كان فى مطلع العام 2006 يبيع طن القمح بـ 118 دولارا، فلا بد أنه سيشعر بالفرق إذا انخفضت قيمة هذه الدولارات بنسبة 37% خلال العام التالي. ولا بد انه سيشعر بالحنق والضرر إذا خسر الدولار 20% من قيمته فى نصف السنة الجارى وحده. وسيكون مضطرا، بالتالي، الى تعويض خسارته ببيع بضاعته بسعر أعلى. وسيكون سعيدا لو أمكن للعوامل الإضافية الأخرى أن تزيد فى رفع الأسعار لتعويض تراجعات ما تزال مستمرة منذ عام 2000 حتى الآن.

هذه الظاهرة لم تكن لتنشأ لو بقى الدولار محافظا على قيمته. بل إن الأسعار كان من الضرورى أن تتراجع، إذا أخذنا بنظر الإعتبار أن الانتاج الزراعى العالمي، حسب تقديرات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، التى تقول ”نكاية بكل منظرى المتغيرات البيئية” أن ”الإنتاج الزراعى الحالى بإمكانه أن يكفى لتغذية 12 مليار نسمة بدل الستة ونيف حاليا”.

لماذا، إذن، ترتفع الأسعار إذا كان العرض وافرا؟

لماذا ترتفع الأسعار إذا كان الإنتاج الزراعى الراهن يستطيع أن يُطعم ضعف عدد سكان الأرض؟

وأين سنذهب بالمعاذير التى تقترحها أسباب ”الخبراء” و”المحللين” التى تتجاهل الأثر الذى يتركه تراجع قيمة الدولار على ثلاثة أرباع التبادلات التجارية الدولية؟

مليارات الجوعى

اكثر المقتربين من الحقيقة جرأة، يُلقون باللائمة فى ارتفاع أسعار المواد الغذائية على ارتفاع أسعار النفط. فاذا كان هذا السبب حقيقيا، فالأكثر منه حقيقة هو أن إرتفاع أسعار النفط مرتبط بصفة مباشرة بإنخفاض قيمة الدولار.

والنفط يرتفع بدوره، لانه يظل جذابا ”ورخيصا نسبيا” إذا تم تقويمه بعملات ترتفع بدورها إزاء الدولار.

ولكن، إذا كانت العلاقة بين تراجع قيمة الدولار وارتفاع أسعار المواد الغذائية جلية جلاء الشمس التى لا يمكن تغطيتها بغربال، فالسؤال القمين هو: هل تتعمد الولايات المتحدة إلحاق الضرر بكل البشر؟

الجواب، بكل بساطة،... نعم. لأن خفض قيمة الدولار هو الوسيلة الوحيدة المتبقية للولايات المتحدة لخفض قيمة ديونها، وللحد من العجز التجارى المتفاقم، ولتحسين فرص البضائع والمنتجات الأمريكية للمنافسة فى الأسواق الدولية.

وبما أن دولاراتها ما تزال هى ”المقاصّة” الدولية الأهم، فان الولايات المتحدة تتعمد أن تعصر بطن كل إنسان على وجه الأرض لكى تتمكن من خفض قيمة تريليونات الدولارات التى تدين بها للخارج.

وحتى ولو جاع مليارات البشر، فان بنك الإحتياط الفيدرالى لن يتوقف عن طبع المزيد من الورق العديم القيمة لتمويل الميزانية الإتحادية، ولدفع فوائد الديون، لأن تلك هى الوسيلة الوحيدة المتبقية لتعويض النقص فى التمويل الخارجي، ولضخ بعض الدماء الإصطناعية فى إقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويستدين أكثر ليستهلك أكثر، حتى ليبدو وكأنه مثل البعوضة التى تموت، فى النهاية، بسبب تخمة الدماء التى تمتصها.

الكثيرون يجوعون فى كل أرجاء العالم. وأحد أسوأ الأمثلة التى سجلتها منظمة اليونيسيف مؤخرا يقول إن الجوع أدى الى تراجع عدد الأطفال الذين يزاولون دراستهم فى العديد من دول العالم الفقيرة. وفى مثال أكثر تحديدا، قالت المنظمة إن برنامج الغذاء العالمى اضطر إلى وقف توزيع حوالى 450 ألف وجبة غذائية يوميا فى كمبوديا ”بسبب تنصل الشركات المقدمة لهذه الوجبات من التزاماتها بغرض بيع المنتوج فى الأسواق بأسعار أعلى”.

والفقراء عادة، هم أكثر وأول مَنْ يدفعون الثمن. فحسب تقديرات اليونيسف فان ”تأثير الارتفاع فى أسعار المواد الغذائية الأساسية على العائلات الفقيرة يكون مضاعفا نظرا لأن قيمة المبالغ المخصصة لاقتناء المواد الغذائية تكون أكبر. ففى عائلة ميسورة يشكل 15% فقط من الميزانية، بينما يمكن أن يصل حتى حدود 75% منها لدى عائلة فقيرة، وهو ما يُرغم العائلات المعوزة على تقليص إنفاقها فى قطاعات حيوية ”التعليم، الصحة، ..” قد تكون لها تأثيرات كارثية على المدى البعيد”.

العنف مجددا

ويقول البنك الدولى إن ”هناك 33 دولة فى العالم مهددة بأعمال عنف بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية”.

ويقول جون زيغلر، مقرر الأمم المتحدة السابق حول الحق فى الغذاء ”إن طفلا دون الخامسة من العمر يموت كل ثانية فى العالم، بسبب الجوع، وإن ضحايا المجاعة يتعدى بكثير ضحايا الصراعات المسلحة والعمليات الإرهابية، حيث يتجاوز عدد الضحايا 100 ألف شخص يوميا”.

هؤلاء الناس يموتون لأن الولايات المتحدة تواجه عجزا تجاريا يزداد من دون نهاية واضحة فى الأفق ”363 مليار دولار فى العام 2001، و421 مليار دولار فى العام 2002، 495 مليار دولار فى العام 2003، و611 مليار دولار فى العام 2004، و711 مليار دولار فى العام 2005، و765 مليار دولار فى العام 2006، و832 مليار دولار فى العام 2007، ونحو 900 مليار دولار حتى نهاية العام الجاري”، وهى تسدد جانبا من هذا العجز بإفقارهم وتجويعهم وقتلهم.

ويعيش نحو 850 مليون انسان تحت خط الجوع ليس لأن ميزانية برنامج الغذاء العالمى تعجز عن توفير 2.9 مليار دولار تقول إنها ضرورية لسد احتياجات عام 2008، بل لأن الولايات المتحدة تضطر الى خفض قيمة عملتها لخفض قيمة 3 تريليون دولار اضطرت إدارة الرئيس بوش الى إنفاقها على حرب الإبادة فى العراق وأفغانستان، وبقية الأعمال الهمجية ”تعذيب، اغتصاب، سجون سرية، رقابة” المرتبطة بالحرب المزعومة ”ضد الإرهاب”.

فى وقت من الأوقات لجأت الولايات المتحدة إلى رفع سعر الفائدة على الدولار 17 مرة منذ منتصف 2004 وحتى منتصف 2006 لتصل إلى 5.25% فى يونيو-حزيران من العام الماضى لتشجيع قدوم الودائع الأجنبية إلى السوق الأميركية لمعالجة فجوة الادخار.ولكن هذه الأيام، فقد آن الأوان لدفع تلك الودائع الى مواسير البالوعة.

ووفقا لأرقام وزارة الخزانة الأمريكية الصادرة فى يونيو- حزيران 2006 فإنّ الدول الأجنبية تمتلك ما نسبته 44% ”أى 2.090 تريليون دولار” من مجموع الدين العام الفيدرالي، والبالغ قيمته ”4.797” تريليون دولار ”حتى يونيو- حزيران 2006”. وتأتى كل من اليابان والصين والمملكة المتّحدة على رأس هذه الدول بقيمة تبلغ ”635.3” مليار دولار، ”327.7” مليار دولار و ”201.4” مليار دولار.

ويجوع مليارات البشر، تحت وطأة خفض قيمة البضائع والخدمات المقوّمة بالدولار، لأن الحكومة الأمريكية تنفق حوالى ”400” مليار دولار سنوياً زيادة عمّا تجبيه من عائدات، وهو الأمر الذى أدى إلى تراكم الدين الفيدرالى ليصبح وحده فقط حتى العام 2006 حوالى ”8.3” تريليون دولار.

عوز وفقر

وإذا كان نحو ثلث سكان الكرة الأرضية يعيشون فى ظروف العوز والفقر والحرمان، فلأن البعوضة الإقتصادية الأمريكية تمتص من الديون ما لا تستطيع تسديده. فقد ارتفعت رهونات المنازل فى الولايات المتحدة منذ العام 1987 من 1.8 تريليون دولار إلى ”8.2” تريليون دولار، وعندما انفجرت الفقاعة، فان آثارها شملت بالضرر جميع بنوك وصناديق الإئتمان فى العالم. أما دين المستهلك الأمريكى ”رامبو الكريدت كارت” فقد تصاعد من 2.7 تريليون إلى 11 تريليون دولار. وحتى شهر ابريل-نيسان الماضى فقد زاد العجز التجارى الشهرى نحو 7.8 فى المئة الى 60.9 مليار دولار، صعودا من 56.5 مليار دولار فى مارس-آذار.

هذه الديون، انما يدفعها الفقراء من قوت يومهم، لأن امبراطورية الدولار وجدت ان الحل هو الوحيد المتاح أمامها هو خفض قيمة ما ينتجون، بخفض قيمة العملة التى يتخذونها وسيطا لتبادلاتهم التجارية مع الخارج.

والفقراء يغضبون... إنما على حكوماتهم التى تجد نفسها، مثلهم، فى موقع الضحية، بينما ينعم الجانى بعوائد أعمال النهب التى يمارسها فى أربع جهات الكرة الأرضية.

طاعون الجوع قد يصيب أكثر من 73 مليون شخص يعانون من نقص فى الغذاء فى 80 بلدا، حسب كريستيان بيرتيوم المتحدثة بإسم برنامج الغذاء العالمي، إلا أن المصدر الإمبراطورى الوحيد لهذا الوباء هو الولايات المتحدة.



 

الصفحة الرئيسية


رأي الأهالي


الهم الوطني


شؤون محلية


المجابهة


شؤون فلسطينية


حق العودة


قضايا ساخنة


 شؤون الحزب


عربي ودولي


آراء ومقالات


شؤون ثقافية


اتصل بنا


أنت الزائر رقم

Free Hit Counters

 

 

|الصفحة الرئيسية | رأي الأهالي | الهم الوطني | شؤون محلية | المجابهة | شؤون فلسطينية|

 |حق العودة | قضايا ساخنة | عربي و دولي | آراء و مقالات | شؤون ثقافية|

Copyright©Ahali Newspaper, 2007 All Rights Reserved

Designed and Developed By Thaer Tayyem