|| حشد يطرح البرنامج الاقتصادي البديل ||دائرة اللاجئين في حشد " عودة "   تدين الممارسات الإسرائيلية في نعلين|| حواتمة يدعو فرنسا للعب دور اكبر في حل القضايا العربية || || عباس التقى الفصائل في دمشق لبحث ترتيب البيت الفلسطيني ||نعلين تعلن رفضها لجدار الفصل العنصري وتنتفض من جديد || الكنيست يقر قوانين عنصرية  جديدة ضد الفلسطينيين ||  مهرجان الفحيص يوقد شعلته ال "18" ||

اليوم : الخميس – التاريخ : 10-17/7/2008- العدد- 777

 

حشد



 

كاريكاتير


 

 

 

 

      آراء ومقالات

 

 

>>  في مواجهة ثقافة الاستهلاك الاستلابية.. بقلم:  صفاء شاهين 

>>  العولمة الاقتصادية وسياسة تهميش الآخرين.. بقلم:   عصام عز الدين   

>>  في الوعي والوعي الديمقراطي.. بقلم: د. محمد حمزة

>>  ما بعد التبريد.. بقلم:  كمال مضاعين

>>  الاقتصاد الاميركي في ازمة خانقة..  بقلم:   احمد النمري

>> قانون العمل الاردني ومسيرة التعديلات المختله 4/ ٦  بقلم:  مقبل المومني

>> التمويل الاجنبي والنواب .. بقلم : خليل السيد

>> شطب قروض المزارعين دورياً دعم للزراعه.. بقلم: مثقال الزيناتي

>>  رسالة مشعل  .. بقلم : مراقب

 


 

في مواجهة ثقافة الاستهلاك الاستلابية

 صفاء شاهين 

في دراسة أسباب نهوض الحضارات وسقوطها يبرز الجانب الثقافي جزءاً حيوياً ومركزياً في صعود الحضارات وانهيارها. هنالك عدة مدارس غربية وعربية تهتم بهذا النوع، وتتراوح وجهات نظرهم بين اختلاف واتفاق في العديد من الأمور.

 لعل التوقعات المستقبلية لبعضهم تشير إلى هذا الاختلاف في وجهات النظر. فعلى سبيل المثال يرى المفكر الفرنسي (الفيلسوف والسياسي) البارز (إيف ميني)، أن هناك دولة مهيمنة تشكل القلب حيث تتجمع في هذه الدولة - القلب الثروات والتقنية، وتحقق هذه الدولة القلب قوة ثقافية وأيديولوجية تسمح لها بالسيادة والهيمنة على الثقافات الأخرى. يحيط بهذا القلب ويخدمه الدول الأطراف، والدولة - الطرف هي تلك الدولة التابعة اقتصادياً وعلمياً وثقافياً. يتميز القلب في أنه يطرح مشروعاً ثقافياً فيجمع الموارد ويستغل التقنيات من أجل تطوير الاتصالات وتسريعها لكي يربط كل جزء من الأطراف به.

يرى (ميني) أن اليابان لم تصبح قوة كبرى بسبب مساهمتها التجارية فحسب، بل لأن الصعود الياباني في جوهره يعود إلى أسباب ثقافية. وهذا الصعود الثقافي يجعلها أكثر من أي بلد ثان تعتمد على المستقبل. فالادخار يتقدم على الاستثمار، والتصدير يتقدم على الاستيراد، والشبكات التجارية في الخارج تتقدم على التجهيزات الجماعية. وهكذا تتجمع لليابان جميع الشروط اللازمة للقيام بدور القلب. رؤية بعيدة المدى لمصالحها وطاقة على العمل وإرادة تدعم مستوى الأداء، وسيطرة على تقنيات الاتصال الحديثة، وأهلية لاختراع وإنتاج السلع الجديدة ذات الاستهلاك الجماهيري، وإرادة فائقة للتعليم، ودينامية موجهة نحو الخارج. على العكس من هذا الصعود يرى ميني أن الولايات المتحدة الأمريكية في حالة انحدار، هذا الانحدار ينعكس على انخفاض مساهمة الولايات المتحدة في التجارة الدولية، خاصة في صناعات المستقبل، وكذلك فإن ما تنفقه الولايات المتحدة على تحديث مؤسساتها ضعيف إذا ما قورن بما تنفقه اليابان، إذ تبرز اليابان في الصدارة بالنسبة لصناعة المعالجات الصغرى وصناعة الإنسان الآلي واستخدامه في الصناعات المختلفة.

يرى العديد من المفكرين أن الصراعات السابقة كانت عبارة عن صراعات عسكرية واقتصادية، والآن تتحول الصراعات إلى حروب ثقافية وعلمية، خاصة ما بين الدول المتقدمة. وتتركز الهيمنة الأمريكية في المجال الثقافي والعلمي. فعلى سبيل المثال ينتج الأمريكيون 15 بالمئة من البحوث، ولكنهم ينشرون 95 بالمئة منها، لأن معظم المجلات العلمية والثقافية تصدر باللغة الإنكليزية. وهكذا استطاعت أمريكا أن تفرض وجودها الثقافي، وجعلت مفكرين فرنسيين أمثال جاك أتالي وروجيه غارودي ينتبهون لخطر الهيمنة الثقافية الأمريكية، فبدؤوا بالاهتمام باللغة الفرنسية ونشرها، لأنهم يرون أن ما يحدث هو عبارة عن حرب ثقافية ضد الثقافة الفرنسية. ويختلف زبيغنيو بريجنسكي وصموئيل هنتنغتون وفرنسيس فوكوياما ولويس برنارد وهنري كيسنجر (أبرز منظري العولمة) في ما ذهب إليه  ميني  إلى أن اليابان لن تصبح قوة ثقافية رئيسية، لأن عنصر الثقافة القائم على العائلة اليابانية وعنصر اللغة وطريقة الحياة لا تشكل نموذجاً تسعى الدول الأخرى للاقتداء به. على عكس الوضع بالنسبة للدول الأوربية، خاصة المتكلمة باللغة الإنكليزية، إذ يتطلع العديد من الدول النامية التي تتكلم الإنكليزية أو الفرنسية أو الإيطالية أو الإسبانية للاقتداء بها.

يرى فوكاياما في كتابه (نهاية التاريخ والإنسان الأخير) تأثيرًا مهماً للثقافة الغربية وفي خلقها للإنسان الأخير، فهو يقول بأن المجتمع الأمريكي قد خلق (ثقافة كاملة للاستهلاك مركزة على المبادئ الاقتصادية لليبرالية. إن العالم الاقتصادي، المنتج والدينامي الذي ولدته التكنولوجيا  المتقدمة، والتنظيم العقلي   للعمل، يملك قدرة هائلة على المجانسة والاستيعاب، ففي استطاعته أن يربط مجتمعات مختلفة عبر العالم كله من خلال خلق الأسواق وإثارة التطلعات والآمال الاقتصادية الموازية لها في عدد كبير من المجتمعات   المختلفة). إذن المطلوب أن تلعب الثقافة الغربية دوراً أساسياً في استيعاب الثقافات الأخرى ومجانستها في ثقافة الاستهلاك التي تطرحها دول القلب.

يتفق فوكاياما مع ميني، ولو جزئياً، في أن الفضل في النهوض الاقتصادي الياباني يعود بدرجة كبيرة إلى الثقافة اليابانية وقوة العلاقات العائلية واحترام العمل، إضافة إلى الوعي القومي المتنامي. إنه يبين أن الخطر على الثقافة الغربية وعلى الليبرالية الديمقراطية الغربية لا يأتي من الأنظمة الشيوعية بل يأتي من تلك المجتمعات الآسيوية التي تجمع بين الاقتصاد الليبرالي ونوع من التسلطية الأبوية. ويعود ليعترف بأن سبب النهوض للدول الآسيوية يعود إلى أنها حافظت على بعض الخصوصيات التقليدية لثقافتها، كأخلاقيات العمل، وذلك بإدخالها في محيط الأعمال الحديثة.

فوكاياما يرى في الثقافة اليابانية خطراً على الثقافة الليبرالية الغربية، لأن الأفراد في المجتمعات الآسيوية خاضعون لأغلبية النظام العائلي بشكله الممتد، لأن الفرد يكنّ احتراماً كبيراً للعائلة وللأب كممثل لهذه العائلة. ويقول فوكاياما (إن نظام الحكم الياباني الحالي قائم على توافق اجتماعي واسع متجذر في ثقافة المجموعة). يبين فوكاياما أن التنافس في عالم الغد مابين الدول الغربية المتقدمة وبينها الدول الآسيوية الصاعدة لن يكون صراعاً تحكمه الإيديولوجيات، لأن الإيديولوجيا الوحيدة الباقية هي الليبرالية  الديمقراطية، وإنما سيكون الصراع ما بين الثقافات.

ولكن ما موقع دول الجنوب في الصورة الحالية والمستقبلية من هذا التنافس (الصراع) الثقافي؟  يحدد بعض المفكرين الغربيين، ومنهم فوكاياما، أن العالم سينقسم اقتصادياً وسياسياً وثقافياً إلى قسمين، الأول هو العالم الذي يسوده الإنسان الأخير (الدول المتقدمة)، وفيه ينتهي التاريخ لأن الصراع الإيديولوجي قد  انتهى. وعالم ثان (دول الجنوب) منخرط في التاريخ يتصارع إيديولوجياً وقومياً، إلا أنه يقع تحت سيطرة اقتصادية وثقافية للعالم المتقدم. ولهذا السبب سيكون هنالك احتكاك ما بين العالمين. وهذه النقاط هي:

- البترول: لأن العالم الأول يحتاج إلى البترول الوفير في العالم الثاني.

- الهجرة: لأن الجنوب يدفع بأعداد هائلة من المهاجرين إلى الشمال.

- التكنولوجيا: وهي سعي الدول النامية للحصول على التكنولوجيا المتوفرة لدى العالم الأول، في حين أن العالم الأول يرفض أن يصدر إلى العالم النامي كل أنواع التكنولوجيا. فهو يمنع عن دول العالم الثالث التكنولوجيا النووية والحياتية والكيميائية، بحجة أن العالم الثالث سيطور بواسطة هذه التكنولوجيا أسلحة الدمار الشامل، مثل القنابل النووية والحرب الكيميائية والحرب   الجرثومية. وهنا بإمكان الدول المتقدمة وضع جميع التكنولوجيات تحت الحظر بحجة أنها ستستخدم في صنع أسلحة الدمار الشامل.

لكن كيف سيتمكن العالم الغربي المتقدم (ما بعد التاريخي)  من السيطرة على دول الجنوب (العالم التاريخي) ؟ الجواب على ذلك سيكون في إشهار سلاح التبعية الاقتصادية والثقافية. فعندما تفقد الشعوب هويتها الثقافية والحضارية تصبح بلا هدف ولا رسالة تؤديها، وبالتالي يسهل التعامل معها ودفعها إلى تبني ثقافة الاستهلاك. والطريق إلى ذلك هو اتباع نمط الحداثة الغربية التي هي بداية لاستلاب الفرد في دول الجنوب من هويته وثقافته وتبني ثقافة القلب. وبذلك سيصبح بالإمكان دمجه ضمن نظام الهيمنة الذي يسعى إليه القلب، هذا القلب الذي يمتلك مشروعاً ثقافياً قادراً على فرض نفسه على الأطراف المستلبة من الإرادة، والعاجزة عن تقديم مشروع حضاري لأبنائها.

هذا هو المشروع الذي تطرحه القيادات السياسية والصناعية في الدول المتقدمة على الجنوب المغلوب على أمره. وهدف هذا المشروع الهيمنة على دول الجنوب ثقافياً واقتصادياً، ولكن هل يوجد بصيص نور للخروج من هذا المأزق ؟  الحل يكمن في أن يعي الجنوب ضرورة الحفاظ على ذاته بامتلاك ثقافة دينامية قادرة على إخراجه من وضعه المأسوي إلى وضع أكثر إنسانية وأكثر استقلالية عن الآخر الباحث عن السيطرة والهيمنة. إن هنالك ضرورة لكي تضع دول الجنوب أوّليات يمكن أن تكون الأساس لنهوض اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، وهذه الأساسيات هي التي تشكل بنية التنمية المستدامة، وتركز على:

1 - التعليم والقضاء على الأمية والجهل واستخدام التقنيات المتقدمة في الاتصالات من أجل إنشاء شبكة للتعليم الذي يعتمد الصورة والكلام المسموع، والذي يصل إلى القرى المعزولة والنائية.

2 - توفير السكن الضروري واللائق للسكان.

3 - توفير العلاج وتدريب الكوادر الطبية الوسطية القادرة على العمل لمعالجة الأمراض المستوطنة وإشاعة الوعي الصحي.

4 - خلق البنية الاقتصادية لتوفير الغذاء محلياً للسكان.

5 - تشجيع المجتمع المدني لكي يلعب دوره في بناء مؤسسات الدولة والديمقراطية.

6 - الابتعاد عن الأنماط الاقتصادية والثقافية الاستهلاكية.

لقد جرب الجنوب الأنظمة الاقتصادية الغربية، ونقل التكنولوجيا الجاهزة. ولم تؤد هذه التجارب إلا إلى المزيد من الفقر والجوع الذي عاشت عليه دول الجنوب آلاف السنين. إن النمط التحديثي التغريبي الذي تتبعه دول الجنوب قد جلب الويلات على هذه الدول، فانتشرت الحرب الأهلية والحروب بين هذه الدول دفاعاً عن الحدود المفتعلة التي وضعتها القوى الأجنبية يوم أن كانت دول الجنوب ترضخ للهيمنة الأجنبية.

إن ثقافة الاستهلاك، وثقافة السوق التي تحاول الدول الكبرى فرضها على الدول النامية من خلال فتح  الأسواق وعولمة الاقتصاد، ستؤدي إلى زيادة غنى دول الشمال وزيادة إفقار دول الجنوب واستلابها من ثقافتها وهويتها. ويبدو أن معظم دول الجنوب لم تستفد من تجاربها الماضية وهي تسير بخطاً حثيثة نحو  الهاوية. فهل ستقف قيادات دول الجنوب لترى أيَّ منزلق تتجه إليه؟

 


العولمة الاقتصادية وسياسة تهميش الآخرين

  عصام عز الدين   

في الوقت الذي تتواصل عولمة الاقتصاد بوتيرة سريعة وثابتة، وفي الوقت الذي تقفز فيه العولمة الاقتصادية من فوق حدود الدول والقارات والتكتلات الاقتصادية، متجاهلة الأنظمة والقوانين المحلية لتفرض منطقها الإلغائي على كل ما يعترض سبيل انتشارها، ترتفع علامة الاستفهام الكبيرة حول أي نظام اقتصادي تجري عولمته. وفي بداية كل عام تنظم مؤسسات الأبحاث والدراسات الإحصائية استفتاء عالمياً يدور حول سؤالين أساسين: السؤال الأول هو: أيهما تفضل، مزيداً من المنافسة الحرة والمفتوحة بين مصادر الإنتاج  والخدمات، أم مزيداً من المراقبة والدعم والتنظيم الحكومي؟ .

 إن نتائج الاستفتاء حول هذا السؤال تختلف من قارة إلى قارة، ففي أمريكا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) تبين أنه في مقابل كل أربعة يؤيدون المنافسة الحرة، يؤيد واحد فقط الدعم الحكومي. وفي أوربا الغربية هناك أغلبية كبيرة تؤيد المنافسة الحرة، فيما لا يتعدى مؤيدو المنافسة الحرة في آسيا اثنان إلى واحد، وكذلك في أمريكا اللاتينية. وأما بالنسبة العالمية فهي مؤيد واحد للمراقبة وللدعم الحكومي مقابل مؤيدين اثنين للمنافسة الحرة.

والسؤال الثاني هو: هل تؤيد أو تعارض فرض قيود على الاستثمارات المالية وعلى حركة الرساميل من دولة إلى دولة؟ كشف الاستفتاء أن 49 بالمئة من الذين جرى استفتاؤهم يؤيدون فرض القيود، بينما يعارضها 37 بالمئة فقط. ويذكر 14 بالمئة أنهم لا يعرفون. وقد شمل هذا الاستفتاء 12 ألف شخص في 22 دولة من الدول الاقتصادية والصناعية الكبرى في العالم. ففي آسيا زادت نسبة مؤيدي حرية حركة الرأسمال في هونغ كونغ (الجيب الأكثر ليبرالية في القارة) 5 بالمئة فقط، على نسبة المعارضين. وتبلغ هذه النسبة 3 بالمئة فقط في اليابان البلد الرأسمالي بامتياز! وأما في الدول الآسيوية الأخرى التي عانت بسبب تلاعب أصحاب الاستثمارات وخاصة إندونيسيا وتايلاند وحتى كوريا الجنوبية، فإن نسبة المعارضين مرتفعة جداً، وتبرز المعارضة كذلك في الصين وفي تايوان ولو بنسبة أقل.

إن أول ما تعنيه هو أن ثمة أكثرية تفضل المنافسة على التغيير في إدارة الاقتصاد العالمي، غير أن هذه الأكثرية ضئيلة وهي أكبر ما تكون في الدول الصناعية السبع الكبرى (الولايات المتحدة، كندا، اليابان، بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا). وتكاد النسبة بين مؤيدي الحماية ومعارضتها تكون  متساوية. وأما عن حرية حركة الاستثمارات المالية فإن الغالبية تؤيد فرض ضوابط على هذه الحركة خاصة بعد المأساة المالية التي عصفت أولاً بالمكسيك، ثم بالنمور الآسيوية، وبعد ذلك بالبرازيل والأرجنتين. وهناك هوة واسعة بين مواقف الدول الصناعية ومواقف الدول النامية من سياسة البنك الدولي للإنشاء والتعمير، فسياسة البنك التي تفرض على الدول الأعضاء توازناً في الموازنة والتزاماً بأنظمة السوق المفتوح تلقى تشجيعاً ودعماً من الدول الصناعية، وتلقى معارضة من سائر الدول الأخرى. ونتيجة لذلك أوضحت استطلاعات الرأي أنه مقابل كل أربعة أشخاص لا يؤيدون سياسة المصرف الدولي ولا يثقون بها، هناك شخص واحد فقط يؤيد هذه السياسة.

على أن أغرب ما في هذه الدراسة الإحصائية هو أن ثمة أكثرية تعتقد أن في قدرة الولايات المتحدة معالجة قضايا تتعلق بمشاكل الاقتصاد العالمي أكثر مما هو في قدرة المصرف الدولي. وفي الولايات المتحدة بالذات فإن أكثر من 75 بالمئة يعتقدون بصحة هذه النظرية، مقابل أقل من 25 بالمئة يعارضونها. في عام 1980 صدر للكاتب الأمريكي ميشال كريشنون كتاب بعنوان (الشمس الصاعدة). في هذا الكتاب الذي بقي على لائحة أكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة لعدة سنوات، كشف الكاتب عن مخاوف الأمريكيين بسبب تدفق الرأسمال الياباني إلى السوق الأمريكية. في ذلك الوقت اشترى اليابانيون مؤسسات كبرى مثل مركز روكفلر في نيويورك واستوديوهات كولومبيا السينمائية في هوليود وغيرها. ونشرت مجلة (النيوزويك) تحقيقاً موسعاً تحت عنوان (على الغلاف) (اليابان تشتري روح أمريكا). وفي عام 1998 كان حجم الاستثمارات الأمريكية في العالم يعادل تقريباً نصف حجم الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة، وفي عام 2005 أصبح حجم الاستثمارات الأمريكية 25 بالمئة أكثر من حجم الاستثمارات الأجنبية داخل الولايات المتحدة. وإذا استمرت هذه الاستثمارات على هذه الوتيرة خلال العقد الحالي أيضاً فإن الاستثمارات الأمريكية سوف تكون في العقد القادم المهيمنة على صعود الاقتصاد العالمي وهبوطه، مما يعني أن العولمة الاقتصادية هي أقرب ما تكون إلى الأمركة بكل مظاهرها السلبية.

عندما انتهت الحرب الباردة في عام 1989 وساد العالم نظام الليبرالية والسوق المفتوح رأى مفكر أمريكي (من أصل ياباني) هو فوكوياما أن ذلك كان نهاية التاريخ، ولكن الليبرالية التي سادت بدأت الآن بالانحسار في ضوء الركود الاقتصادي الذي ينتقل كالوباء من بلد إلى بلد ومن قارة إلى قارة. ومع اتساع رقعة الكساد فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو إلى متى تستطيع الدول الليبرالية أو الحديثة العهد بالليبرالية الاستمرار في ليبراليتها مع الكساد الاقتصادي؟

من أجل ذلك فإنه من الطبيعي أن يرتفع صوت المطالبين بحماية الدول اقتصادياً، وخاصة في العديد من الدول النامية الأخرى. حتى إن نسبة المطالبين بالحماية في العالم وصلت إلى 47 بالمئة مقابل 42 بالمئة تطالب بالمنافسة الحرة، وحتى داخل المجتمع الأمريكي نفسه حيث المنافسة الحرة لا حدود لها ولا قيود، فإن 37 بالمئة من الأمريكيين يطالبون بإعادة النظر في هذا النظام لفرض شيء من الحماية، مقابل 56 بالمئة يصرون على الإبقاء على النظام الحالي دون تعديل أو تبديل. وفي بريطانيا حيث يبدي 58 بالمئة من السكان ارتياحاً للوضع الاقتصادي واطمئناناً للمستقبل، فإن 53 بالمئة منهم تؤيد اعتماد نظام الحماية، أي بزيادة 12 بالمئة عن العام الماضي، مقابل 37 بالمئة تعارضه لمصلحة المنافسة المفتوحة.

واللافت للنظر أن الدراسات الإحصائية التي قامت بها مؤسسة (أنغوس رايدر) الكندية العالمية لم تشمل أي دولة عربية، وكأنه لا مكان للعالم العربي على خريطة الاقتصاد العالمي. إلا أنه في حسابات المرحلة الحالية من عولمة الاقتصاد تأثير الارتفاع المريع في أسعار النفط، وخاصة على القدرة الشرائية والاستهلاكية للدول المنتجة وانعكاسات هذا الانخفاض على حجم المساهمات المباشرة وغير المباشرة التي تقدمها الدول المنتجة للدول العربية غير المنتجة للنفط، وبضمن ذلك مستقبل العمالة العربية وعائداتها التي تشكل أحد مصادر الدخل الهامة. وجاء الآن تذبذب أسعار النفط ليزيد الطين بلة، فالأمر هو أن انعكاساته السلبية لا تقتصر على اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي وحده، بل إن هذه الانعكاسات تعرض العالم العربي بكامله لعواقب وخيمة، الأمر الذي يجعل دوره في عملية العولمة الاقتصادية دوراً ثانوياً بكل المقاييس. في ضوء ذلك، لابد من التساؤل: أليس غريباً وسط كل هذه التطورات أن يعجز العالم العربي عن إقامة وحدة اقتصادية، أو على الأقل سوق عربية مشتركة؟

 

 


 

في الوعي والوعي الديمقراطي

 بقلم د. محمد حمزة

تسمح الديمقراطية ببناء علاقة غنية بين الفرد والمجتمع بحيث يتمكن الطرفان من الانفتاح والتعاون فيما بينهما وتنظيم ومراقبة بعضهما البعض

الديمقراطية تنظم التناقضات، وتستبدل المعارك المادية بمعارك الأفكار فتحدد بواسطة الجدالات والانتخابات من سينتصر مؤقتاً من بين هذه الأفكار، وتحدد من سيتولى مسؤولية العمل على تطبيق تلك الأفكار.

من نواقص الدمقرطة الغربية أن المواطنين لا يستشارون حول البدائل الكبــرى الممكنة، حيث ينزع التسيس عن السياسة فليس من حق المواطن مثلاً أن يفكر في السلاح النووي أو مراقبته، فهذا شأن متروك لرئيس الدولة دون استشارة أي جهاز ديمقراطي

الانتقال من عصر البديهيات إلى عصر التعقيد طرح بإلحاح خلق الفكر الملازم لهذا التحول. فمن بين حلقات هذا الفكر، الفكر الديمقراطي الذي يفرزه الوعي الديمقراطي الذي هو نقيض الوعي المتأخر، فالوعي عموماً أساسه المساهمة الواعية والانخراط في إنجاز المجتمع الإنساني. والمجتمع الديمقراطي هو سيرورة إنسانية تراكمية وإرتقائية ومركبة يساهم فيها بشكل حاسم المواطن الديمقراطي.

هناك ثلاثية الفرد /المجتمع/ النوع، فالأفراد هم أكثر من مجرد نتاج لسيرورة تعمل على إعادة إنتاج النوع البشري، لأن هذه السيرورة ذاتها ينتجها الأفراد في كل جيل، فالتفاعلات بين الأفراد تنتج المجتمع، وهذا الأخير يرتد على الأفراد، إن الثقافة بالمعنى العام، من خلال هذه التفاعلات التي أنتجتها وأنتجت ذاتها كذلك، تعمل على إفراز المجتمع والأفراد.

هكذا فالأفراد /المجتمع/ النوع ليست فقط عناصر مفصولة عن بعضها البعض، بل هي تنتج بعضها البعض بشكل مشترك كل واحد من هذه المكونات هو في الوقت نفسه وسيلة وغاية بالنسبة للمكونات الأخرى.

لا يمكن أن يوجد كل من الفرد والمجتمع بمعزل عن بعضهما البعض، لذا فالديمقراطية تسمح ببناء علاقة غنية ومركبة بين  الفرد / المجتمع، حيث يكون المجتمع والأفراد قادرين على الانفتاح والتعاون فيما بينهما، وعلى تنظيم ومراقبة بعضهما البعض.

تتأسس الديمقراطية على مراقبة جهاز السلط من طرف المراقبين (بفتح القاف)، ومن ثم التقليص من حق الاستعباد (الذي يميز سلطة لا تخضع لرد فعل من طرف أولئك الذين تقوم بإخضاعهم) وبهذا المعنى فالديمقراطية هي أكثر من مجرد نظام سياسي، إنها خلق متجدد لحلقة مركبة وارتدادية ينتج المواطنون الديمقراطية وتعمل هذه الأخيرة على إنتاجهم.

وعلى خلاف المجتمعات الديمقراطية القائمة على الحريات الفردية وتحميل الأفراد المسؤولية. فإن المجتمعات السلطوية والكليانية تستعمر ـ بالمعنى الاستعبادي للكلمة ـ الأفراد الذين يخضعون لها. في الديمقراطية يكون الفرد مواطناً، وذاتاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى الاستقلالية، إنه من جهة شخص يعبــر عن متمنياته ومصالحه، ومن جهة ثانية فهو شخص مسؤول عن مدينته ومتضامن معها.

 

بعد مركب

 بما أن الوعي الإنساني هو بعد مركب ومعقد فإن نفس المنطق ينطبق على الديمقراطية، إذن لا يمكن أن نُحدد الديمقراطية بطريقة بسيطة، فسيادة الشعب/ المواطن تتضمن في نفس الوقت، التقنين الذاتي لهذه السيادة عن طريق طاقة القوانين وتحويل السيادة إلى المنتخبين، ك