|
>> قرار
انشاء مفاعلات نووية عربية خطأ كبير
.... بقلم :
د. سـفـيـان الـتـل
>>
الليبرالية الجديدة والدول الفقيرة
.... بقلم :
محمد
الجندي
>>
قراءة في نتائج الانتخابات التشريعية المغربية
.... بقلم :
إياد مسعود
>>الدولة
الفلسطينية المستقلة اولا
.... بقلم :
كمال مضاعين
>>حق
العودة بين اوهام المخططات ومخاطرالتراجعات
.... بقلم :
أحمد أبو شاور
>>ازمة
الاسعار والاقتصاد والمعالجة المؤقتة....بقلم:
احمد النمري
قرار انشاء مفاعلات نووية عربية خطأ كبير
د. سـفـيـان الـتـل
اعلنت
كل من الاردن ومصر والامارات والسعودية عن رغبتها في دخول النادي
النووي لانتاج الطاقة للاغراض السلمية. وبما ان هذا الاعلان قد تم في
ظل التوترات العسكرية التي فرضتها الولايات المتحدة الامريكية علي
المنطقة ودعوتها لمواجهة ايرانٍ فاننا لا نستطيع ان ننظر الى هذا
الاعلان بمعزل عن هذا التوتر.
ان
موضوع توليد الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية ليس بالموضوع
الجديد. فقد سبقنا اليه معظم الدول الغربية التي دخلت في هذه التجربة
وخرجت منها بتجربة مرة وصلت بنهايتها الى قرارات لبعض الدول باغلاق
مفاعلاتها النووية التي انشئت للاغراض السلمية. كانوا يعتقدون قبل نصف
قرن تقريباً ما تعتقده بعض الدول العربية اليوم من ان انتاج الطاقة من
المفاعلات النووية عملية سهلة وميسورة وتزود البلد بنسبة لا بأس بها من
حاجتها من الطاقة، هذا بالاضافة الى اعتقادهم انها اي الطاقة النووية
لا تلوث كما تلوث الطاقة المولدة من الوقود الاحفوري كالنفط ومشتقاته
والفحم الحجري.
بعد
ذلك حدثت كوارث كثيرة في المفاعلات النووية في الولايات المتحدة
واوروبا والاتحاد السوفييتي. ففي الولايات المتحدة حوادث متشعبة وكثيرة
منها ما كان مباشراً في المفاعلات النووية مثل (ثري مايل الاند) والتي
سببت كارثه بالرغم من القدرات المتفوقة للولايات المتحدة الامريكية في
هذا المجال. ومنها ما نتج عن النفايات المشعة التي كانت تدفن بمناطق
مختلفة تحت الارض. الا ان الاشعاعات المتسربة منها ادت الي كوارث اصابت
قري ومجتمعات سكنية بكاملها بالعقم والسرطانات والتشوهات الخلقية.
وتقول تقارير قديمه للامم المتحدة ان هناك 25 الف مركز لتجميع هذه
النفايات في الولايات المتحدة يكلف تنظيفها ما بين 23 ـ 100 مليار
دولار بينما يكلف تنظيف مكبات المانيا 10 مليارات دولار والدنمارك 1
مليار دولار. لذا عمدت الولايات المتحدة الي نقل هذه النفايات الي دول
العالم الثالث لتدفنها هناك. وتدفن الولايات المتحدة نفايتها في كل من
المكسيك وزمبابوي وغينيا ونيجيريا والهند والفلبين وكوريا، حسب تقارير
التنميه والتعاون.
في
السويد
اما في
اوروبا فلم يكن الحال افضل فقد حدثت كوارث كثيرة ادت الى قيام حملات
شعبية واسعة ضد هذه المفاعلات. ومن ابرز هذه الحملات حملة السويد حيث
وصل الضغط الشعبي على الحكومة الي درجة ارغامها علي اجراء استفتاء شعبي
على مدى قبول او رفض هذه المفاعلات، وكانت نتيجة هذا الاستفتاء ان
الشعب قرر انه لا يريد مفاعلات نووية. وبناء على ذلك اعلنت حكومة
السويد انها ستفكك كل المفاعلات النووية لديها بعد انتهاء العمر
الافتراضي لكل منها، هذا بالاضافة الى قرار بالتوقف عن انشاء اي مفاعل
نووي جديد.
في
المانيا
اما في
المانيا وبعد موجة احتجاجات شعبية واسعة وصلت الى حد نوم المتظاهرين
علي السكك الحديدية لمنع القطارات المحملة بالمواد النووية من المرور
اتخذت الحكومة القرار بتفكيك المفاعلات النووية بعد انتهاء عمرها
الافتراضي. وكانت المانيا قد باشرت عام (2003)، وحسب ما صرح به الناطق
باسم الحكومة الالمانية آنذاك، ان المفاعل الذي بدأ العمل عام (1972)
يجب تفكيكه عام (2003) علماً ان الاتفاقيات تحدد عمر المفاعل النووي في
المانيا بـ (32) عاماً. ويضاف الى ذلك ان الحكومة الالمانية عقدت في
حزيران (يونيو) 2002 اتفاقية مع اهم شركة لانتاج الطاقة لاغلاق (19)
مفاعلا بهدف البحث عن مصادر بديلة للطاقة النووية. كما ان احدث مفاعل
بني في المانيا سيتم اغلاقه عام 2021.
مفاعل
تشرنوبل
يضاف
الى ما سبق اننا لم نتحدث عن الكوارث التي الحقها مفاعل تشيرنوبل في
الاتحاد السوفييتي السابق والدول المجاورة. والتي استغلتها الولايات
المتحدة الامريكية الى ابعد الحدود وحذرت جميع الدول المجاورة من
الاشعاعات التي حطت علي الناس والمزروعات وعلي الاغنام والابقار
والدجاج ودخلت في السلسلة الغذائية للمنطقة بكاملها. بينما تصمت
الولايات المتحدة الآن عن مفاعل ديمونا الذي انتهي عمره الافتراضي وان
تسرباته اصبحت مؤكدة. كما وتعلم الولايات المتحدة ان اشعاعات تشيرنوبل
وصلت الي الاردن في اليوم السابع من انفجاره. ومن حقنا ان نسال فيما
اذا كانت الحملة الاعلامية التي قامت الولايات المتحدة بها ضد تشيرنوبل
وتداعياته حملة حقيقية ام مبالغ فيها.
تفكيك
المفاعلات النووية
ان
تفكيك المفاعل النووي ليس بالعملية السهلة وهذا يعني تفكيك (100.000)
مائه الف طن من الفولاذ والكتل الاسمنتية يستغرق تفكيكها من (10 ـ 12)
عاماً بعد اغلاق المفاعل. وفي المانيا يتم ابطال مفعول (3000) طن من
المواد ذات الاشعاع الضعيف داخل المانيا. اما المواد ذات الاشعاع القوي
والتي تعجز المانيا بقوتها وعظمتها عن معالجتها بالرغم من امتلاكها 19
مفاعلا فيتم ارسالها الي فرنسا للمعالجة.
وبقياس
ما سبق من المعلومات على المشروع النووي العربي او الاردني نستطيع
القول انه حسب التصريحات الاردنية الرسمية ان بناءَ المفاعل النووي
الاردني يحتاج الى عشر سنين واذا ما تم ذلك لا سمح الله فسيبدأ تشغيله
لبضع سنوات وستبدا المشاكل والتسريبات التي عجزت امريكا واوروبا
والاتحاد السوفييتي عن السيطرة عليها تتكرر في الاردن او الدول العربية
الاخري بشكل مستمر كما تتكرر حالياً هذه الحوادث في مفاعل ديمونا في
اسرائيل، وتقدم البرامج التلفزيونية الاسرائيلية المعلومات عن خطورتها
وتطالب بوقفها كما وبدات المحاكم الاسرائيلية باقرارها. عند ذلك سيبدا
التفكير بالاردن والدول العربية بتفكيك هذه المفاعلات وستحتاج الي (10
ـ 12) عاما لتفكيكها اي اننا سنترك الشعب تحت رحمه مخاطر لا حدود لها
لفترة (30) عاماً من تاريخ بدء التشغيل الي التفكيك، وعلى ذلك يمكننا
ان نقول للقائمين على هذا المشروع المثل الاردني الشعبي الشهير تحجوا
والناس راجعة .
مخاطر
اخرى
من
المخاطر التي تفوق الوصف مخاطر النفايات النووية التي يفرزها اي مفاعل
نووي. ولا بد من الاشارة الي ان هذه النفايات المشعة تشكل الآن تجارة
عالمية للبطون الجشعة والجرباء التي تتاجر بها وتنقلها من بلد الى آخر
لتدفن في اراضي الغير لقاء دولارات تدفع الى المتنفذين في دول العالم
الثالث (دول المدفن) حتي لو كان ذلك على حساب صحة وسلامة شعوبهم.
وليس
بخاف على احد بالاردن والاقليم ان اسرائيل تتخلص من نفاياتها المشعة
بشكل عشوائي في الاراضي الفلسطينية والاردنية والسورية واللبنانية وفي
سيناء وفي الجولان. كما سبق وان كشفت الصحافة والاعلام عن شحنات من هذه
النفايات دخلت الاردن وقد كشف بعضها واعيد والذي لم يكشف ربما يكون
اعظم، وحتى هذه الايام ما تزال المعلومات تتوارد من فلسطين المحتلة ومن
منطقة الخليل والضيرية عن كميات كبيرة من هذه النفايات لا تزال تدفن
هناك.
ماذا
في الاردن؟
السؤال
الذي يطرح نفسه في الاردن هل الاجهزة الادارية مؤهلة لادارة مثل هذا
المفاعل. وللاجابه علي هذا السؤال لا بد من القول انه من الثابت
والقطعي وباعتراف معظم رؤساء الحكومات الاردنية ان الاجهزة الحكومية في
الاردن اجهزة مترهلة الي حد كبير وهذا موضوع محسوم لا يختلف فيه اثنان
حيث ان هذه الاجهزة ما تزال حتي هذا اليوم عاجزة عن ادارة محلات
الشاورما والتي سممت الاف الناس حتى اضطرت الحكومة الى اغلاقها جميعا
مرة واحدة. والتسمم الغذائي شاهد ثان على العجز عن ادارة القطاع الصحي.
ويعتبر تلوث الماء ودخول الآلاف من المواطنين الى المستشفيات متسممين
بمياه الشرب شاهد ثالث. والشاهد الرابع هو (11) الف قتيل على شوارعنا
في قطاع المرور وهذا العدد من القتلى هو اضعاف ما خسرنا في جميع حروبنا
مع اسرائيل. والشاهد الخامس هو عجز الحكومات حتى هذا اليوم عن معالجة
هذه القطاعات الاساس في الدولة وكثير من القطاعات الاخري بالرغم من
مراقبتها لما يدور في هذه القطاعات دون ان تستطيع وقف التدهور. وبناء
على هذا هل يتوقع لهذه الحكومات ان تدير مفاعلا نوويا وتضمن سلامته
وسلامة المنطقة والناس؟
ان
تركيبة الجهاز الاداري في الاردن والطريقة التي يتم اختيار هذا الجهاز
بها طريقة تؤكد لنا انهم لم يستطيعوا السيطرة لا على اساسيات وحاجات
الانسان الاولية كالماء والغذاء والدواء والصحة والمرور والزراعة وما
بها من المبيدات والهرمونات.
فكيف
يمكننا ان نتوقع من هذا الجهاز ان يدير مفاعلاً نووياً وينجح في ادارته
بعد ان ثبت فشل الدول العظمى التي اشرنا اليها ومنها السويد والمانيا
والاتحاد السوفييتي في ادارة مثل هذه المشاريع؟ يقولون اننا سنشكل
وزارة لهذا الغرض، وحتى لو تشكلت وزارة لاغراض الطاقة النووية فليس
لدينا وزارة للمياه واخرى للصحة والغذاء وثالثة للبيئة. فأين هي
نجاحاتها...؟ فلماذا يجب ان تضاف الي كوارثنا كارثة نووية جديدة؟
هل هو
مفاعل للاردن ام الاقليم..؟
علينا
ان نتنبأ ان الاصرار على اقامة مثل هذا المفاعل لا بد وان يكون نتيجة
ضغوطات دولية على الاردن وان يكون جزءاً من مشروعاً اقليمي ضمن دمج
اسرائيل في المنطقة تشترك فيه معنا دول ذات خبرة في هذا المجال وتستفيد
من الاردن لاهدافها بعيدة المدى ودفن نفاياتها هناك.
هل
تحتاج دول الخليج العربي لمفاعل نووي؟
لا
تحتاج دول الخليج العربي لمفاعل نووي للاغراض السلمية لاسباب كثيره
منها:
1 ـ
دول الخليج ليست ملزمة لشراء النفط او مشتقاته لتوليد الطاقة او تحلية
المياه. فالنفط متوفر لديها مجاناً وسيكون انتاج الطاقة من المفاعلات
اغلى ثمناً وأشد خطرا.
2 ـ
محطات التحلية المتوفرة في دول الخليج مزدوجة الانتاج، فهي تحلي المياه
وتولد الطاقة في وقت واحد ولهما وزارة واحدة هي وزاره الماء والكهرباء.
3 ـ
اسعار الطاقة الكهربائية في هذه الدول هي ارخص اسعار في العالم ولا
تتعدي فلسات، حتى ان كثيرا من المستهلكين لا يقومون بتسديدها.
هل
هناك بدائل لحل مشكلة الطاقة؟
الدول
الاسكندينافية كالسويد والدنمرك والنروج وكذلك المانيا التي قررت
التخلص من مفاعلاتها النووية بدات بالتحول المكثف الي الطاقة الجديدة
والمتجددة ومنها طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ومن
الواضح ان طاقة الرياح والطاقة الشمسية تولدان كميات كبيرة من الطاقة
ولكن المشكلة تكمن في عملية تخزينها، والتي لم تحل بطريقه اقتصاديه حتى
الان. ولذلك وضعوا حلاً رائعاً لهذا الموضوع وهو اصدار قانون خاص بدأ
تنفيذه في اوروبا. وينص هذا القانون علي انه من حق اي فرد او مجموعة او
شركة ان يولد الطاقة من مراوح هوائية او خلايا شمسية وبضخ هذه الطاقة
المولدة الى الشبكة الكهربائية العامة بموجب عدادات تحصي الطاقة
المولدة. وبعد ذلك يتم اجراء تقاص بين انتاج مولد هذه الطاقة وكميه
استهلاكه من الشبكة العامة. ونتيجة لهذه التجربة استطاعت اعداد كبيرة
من المواطنين ان تسترد تكاليف مراوحها الهوائية او خلاياها الشمسية
خلال بضع سنوات وبعدها اصبح استهلاكها ليس مجانياً فقط ولكنها تجني
ارباحا من بيع الفائض الي الشبكة العامة.
تطبيق
البرنامج في الاردن والعالم العربي
من
السهل تطبيق هذا البرنامج في الاردن وجميع الدول العربية حيث ان عدد
الايام المشمسة لدينا يفوق عدد الايام المشمسة في اوروبا بكثير. يضاف
الى ذلك ان عالمنا العربي يكاد يكون من محيطه الي خليجه صحراء مشمسة.
كما ان كميات الرياح متوفرة في كثير من المناطق. ويبقي علي الاردن
وبقية الدول العربية ان تصدر هذا القانون ليبدا الناس بانتاج الطاقة
الكهربائية من الشمس والرياح وبيعها الى الشبكة العامة. وهذه فرصة
للاستثمار على حكوماتنا الا تضيعها في فترة الفائض النقدي الحالية
والتي يبحث فيهل المستثمرون عن اي فرصة استثمار ممكنة.
النتيجة
لما
كانت الولايات المتحدة واسرائيل قد وقفتا ضد المشاريع النووية العراقية
والليبية والايرانية، واجهضتا على المشروعين العراقي والليبي وما زالتا
تحاولان الاجهاض علي المشروع الايراني، ولكنهما (اي الولايات المتحدة
واسرائيل) تصمتان وترحبان بمشاريع الاردن والسعودية والامارات، فعلينا
ان نستنتج ان هذه المشاريع لن تكون للاغراض السلمية وانما ستكون قواعد
نووية تخدم مشروع دمج اسرائيل في المنطقة والمصالح الامريكيه.
الليبرالية الجديدة والدول الفقيرة
محمد الجندي *
الليبرالية الجديدة ليست جديدة، فهي لا تخرج عن طروحات آدم سميث (1723ـ
1790) الاقتصادي السكوتلندي، الملقب بأب الاقتصاد، والذي كان يمثل حرية
الرأسماليين ضد التدخلية المركانتيلية، ويمثل تاريخياً مطاليب
الرأسمالية الصاعدة ضد الهيمنة الاقطاعية التي كانت سائدة.
ولكن
الليبرالية الحالية هي جديدة لأن الرأسمالية الدولية اليوم تختلف
كثيراً مثل اختلاف التمساح والحرباء، عن رأسمالية القرن الثامن عشر،
الذي عاش فيه آدم سميث.
يرى
آدم سميث أن الحرية الكاملة يجب أن تعطى للرأسمالي ومصلحة المجتمع
مرتبطة بهذه الحرية. يقول «إنه (أي الصناعي) لا ينوي في الواقع رفع
سوية المصلحة العامة، ولا يعرف إلى أي درجة سيرفع سويتها.. عندما..
يدير.. صناعة بطريقة تجعل منتجاتها ذات قيمة كبيرة، فإنه يهدف فقط إلى
ربحه الخاص، وهو في ذلك، كما في حالات عديدة أخرى مقود بيد خفية لتحقيق
هدف لم يكن من نواياه، وعندما يتبع مصلحته الخاصة، فإنه غالباً يحقق
مصلحة المجتمع بشكل فعال، أكثر مما لو كان يريد أن يحققها».
صحيح،
مصلحة المجتمع كانت تتطابق في القرن الثامن عشر مع حرية الرأسماليين،
التي لولاها ما عرفت المجتمعات التطور الذي تفجرت انطلاقته حتى وصلت
إلى المستويات الهائلة، التي نشهدها اليوم. والتطور هو جزء هام من حياة
المجتمع، ويؤلف مصلحة عامة للمجتمع، نقيضها هو التخلف، الذي قد يصبح
ظلامياً.
وصحيح
أيضاً، أن سميث لم يكن يهمل العمال فقط، ولا يضعهم في اعتباره، وإنما
يحتقرهم أيضاً، والعمال هم المنتجون، أي هم أداة التطوير الحقيقية.
طبعاً لولا الرأسمالي ما كان بإمكان العمال بفقرهم، وبضعف تطورهم، أن
ينظموا أنفسهم في مؤسسة إنتاجية. الرأسمالي كان له الفضل التاريخي في
خلق المؤسسة الإنتاجية وتطويرها. والرأسمالي استطاع بفضل ذلك أن يصل
إدارة المجتمع مقوضاً الإدارة الإقطاعية، وكان له في ذلك فضل تاريخي،
لأن الإدارة الإقطاعية كانت تغرق المجتمع في الظلام، والإدارة
الرأسمالية أخرجت المجتمع إلى النور.
لكن
السؤال التاريخي هو: هل الإدارة الرأسمالية هي أهل للمهمة الاجتماعية،
التي تتصدى لها، وهل هي نهاية المطاف.
إدارة
الرأسمالية للمجتمع هي مثل إدارة الرأسمالية للمصنع، التي تتبع المصلحة
الخاصة للرأسمالي، وحسب آدم سميث، كما ورد أعلاه، هذه التبعية للمصلحة
الخاصة تؤدي إلى المصلحة العامة فهل تبعية المصلحة الخاصة في إدارة
الرأسمالية للمجتمع تؤدي إلى مصلحة المجتمع العامة؟ طبعاً لا. لقد أدت
إلى الاستعمار وإلى الحروب. وإلى الاستعباد، والإفقار، وفي كل ذلك لا
نعتقد أن ثمة مصلحة عامة للمجتمع.
في
أيام آدم سميث كان المصنع هو الأداة الرأسمالية، ولكن سرعان ما امتلكت
الرأسمالية قطاعات أوسع بكثير، الخدمات وإنتاج المواد الأولية، وهذه
التبعية للمصلحة الخاصة فيها لا تتطابق، أو لا تتطابق بالضرورة، مع
مصلحة المجتمع.
أيضاً
كان المصنع يبنيه الرأسمالي في أيام سميث من ماله، فهو الذي يشتري
الأدوات والمواد الأولية ويستأجر العمال ويتابع عملية الإنتاج من
بدايتها حتى نهايتها. وتدريجياً تغير كل ذلك: أصبح الإنتاج الصناعي
وغير الصناعي ذمة اجتماعية بفعل المنظومات الاعتمادية والبورصة. أي
مالك الإنتاج الحقيقي هو المجتمع، والرأسمالي مجرد مستمتع بثمار ذلك
الإنتاج. المجتمع يقدم للرأسمالي الإطار القانوني لنشاطاته. والجزء
الأساسي من التمويل (عن طريق الاعتمادات والأسهم) والجزء الأساسي من
تأهيل القوة العاملة، أي تأهيل العمال العاديين والفنيين على مختلف
المستويات والعلماء..الخ، ولا تبقى من وظيفة للرأسمالي سوى أن يستمتع.
إضافة
إلى ذلك كان المصنع في أيام سميث أقرب إلى الحرفة المتطورة، وأصبح في
مختلف القطاعات الاقتصادية مؤلفاً من احتكارات ضخمة تتسع نشاطاتها إلى
القارات.
الليبرالية الجديدة هي جديدة في أنها تطبق حرية النشاط للمصنع القديم
في أيام آدم سميث على حرية النشاط للاحتكارات الدولية، وتطبق تبعية
المصلحة الخاصة في إدارة المصنع على تبعية المصلحة ليس فقط في إدارة
المجتمع فقط، وإنما أيضاً في إدارة العالم، فاليوم الرأسمالية الدولية
تدير العالم.
وبصرف
النظر عن كل ذلك، فالليبرالية الجديدة في البلدان الفقيرة، أي في
العالم الثالث عموماً، تختلف عنها في أيام آدم سميث، وعنها في البلدان
المتطورة.
الرأسمالية في مجتمع آدم سميث كانت مستقلة، أما في البلد الفقير اليوم،
فهي ملحقة اقتصادياً بالرأسمالية الدولية، وكانت في مجتمع آدم سميث
تقوم على الصناعة بالدرجة الأولى، والصناعة هي أداة تطوير وأداة إغناء
للمجتمع، وفي البلد الفقير اليوم لا تشغل الصناعة سوى جانب هامشي من
النشاط الرأسمالي، وحتى الصناعات الموجودة هي عموماً بمثابة تصريف
تجاري لسلعة البلدان المتطورة، (تصريف لقطع التبديل، للمواد
التركيبية..الخ). المصنع الحقيقي هو في البلد الرأسمالي المتطور، سواء
وجدت فروعه، أو ما هو بمثابة فروعه في البلدان الثالثية، أو لم توجد.
إضافة إلى ذلك. الرأسمال الصناعي غير متوفر في البلدان الفقيرة، إلا
بحدود غير كافية، سواء كان المقصود به التمويل، أو الكادرات، أو البحث
العلمي، أو مجالات التصريف.
وإذا
كان النشاط الرأسمالي الصناعي في البلد الفقير هامشياً، أو هامشياً
نسبياً، فالنشاط الواقعي يصبح أمراً آخراً.
الرأسمالية الضعيفة عموماً هي التي تتبوأ إدارة البلد الفقير، وسواء
كان شكل الإدارة ديمقراطياً تقليدياً، أو فاشياً، أو ثيوقراطياً فإنها
تدير المجتمع لمصلحتها، أو بشكل أدق، لمصلحتها المترابطة مع مصلحة
الرأسمالية الدولية. هذا يعني أن سوق بلدها مفتوح لتصريف سلع تلك
الرأسمالية ومنتجات بلدها الحرفية والزراعية وغيرها يذهب فائضها إلى
تلك الرأسمالية، وأن نقد بلدها مرتبط بالعملات الصعبة الخارجية، وبوجه
خاص بالدولار الأميركي، وثرواتها الطبيعية في يد الاحتكارات الدولية،
وجميع اتفاقات البلد السياسية والاقتصادية مع الرأسمالية الدولية
مجحفة: يستورد البلد بأغلى ما يمكن، ويصدر بأبخس ما يمكن، أما
الاتفاقات السياسية، فهي اتفاقات تبعية.
في
طروحات آدم سميث نقطة صحيحة جداً هي أن الرأسمالي الصناعي ينطلق في
نشاطه من مصلحته الخاصة، وهذه النقطة صحيحة بالنسبة لأي رأسمالي في
نشاطاته السياسية والاقتصادية وإذا كان نشاط الرأسمال الصناعي ينعكس
تطوراً أو غنى على المجتمع، فإن نشاط الرأسمالية الدولية ينعكس دماراً
وحروباً وإفقار على العالم، ونشاط الرأسمالية الوطنية في البلد الفقير،
أرادت أم لم ترد، ينعكس إفقاراً وتبعية لبلدها، وإفقاراً وتهميشاً لشعب
بلدها.
زيادة
على ذلك، يدخل في النشاط الرأسمالي الوطني الاختلاس، أي الفساد بأوسع
تجلياته: في الإدارة، في الاقتصاد في السياسية (السفراء كثيراً ما
يخدمون بلداناً أخرى غير بلدهم، وكثيراً ما يتاجرون بالممنوعات،
وبالأسرار وكثيراً ما يبتزون جاليات بلدهم، والمسؤولون السياسيون
كثيراً ما يفعلون الأفاعيل في الخارج وفي الداخل.. الخ)، وفي الخدمات
الاجتماعية، ويدخل أيضاً النشاط المحرم، نشاط العصابات، بل قد يرتفع
نشاط العصابات لدرجة تصبح فيها هي المتسلمة لإدارة المجتمع. لذا كثيراً
ما يجد المرء زعماء البلدان الفقيرة داخلين في العصابات الدولية
(للمخدرات والجريمة وغير ذلك).
وعندما
يطبق البلد الفقير وصفات صندوق النقد الدولي، التي هي أقذر وصفات
الليبرالية الجديدة، فإنه يحكم على شعبه ليس فقط بالفقر، وإنما أيضاً
بالتشرد وبالتجهيل وبالجوع، مع تلك الوصفات القذرة لا يوجد ما هو محرم
لدى سلطات البلد الإدارية. أيام الاستعمار القديم لم يكن المواطن آمناً
لا في بيته ولا على بيته، ولا بقعة الأرض التي تحتويه، إذا كان ثمة شيء
من ذلك، ولا على خصوصياته الحميمة جداً ولا على حياته، ونفس الشيء في
ظل وصفات صندوق النقد الدولي، التي هي بمثابة عاصفة أوساخ تهب من لدن
الإدارة الأميركية على العالم.
|